مع كل موسم رمضاني، يتجدد التساؤل عن جدوى بعض الإنتاج البرامجي العربي الذي يضخ أضخم أعماله في هذا الشهر كصناعة ترفيه مكلفة للغاية وفارغة من المعنى،
في الوقت الذي تواجه معظم الشعوب العربية اليوم تحديات وجودية ومعيشية خانقة هي الأصعب، تحتاج فيها إلى بعض الطمأنينة والمشاركة الوجدانية التي يمكن أن يقدمها صنّاع الدراما لهم عبر إنتاجات ذات حساسية مجتمعية خاصة تتحدث بأصواتهم، وتنظر لقضاياهم بعين المحب، وتعيد إنتاجها برؤى مبتكرة وذات تأثير.
في هذا السياق، يحضر مسلسل "2020" كأنموذج درامي يلتقط بعض هذه الحساسية المجتمعية الملحة اليوم، ويطرح إنتاجاً معافاً من لوثة الترف التي أصابت الدراما لسنوات متتالية، عبر صناعة درامية متقنة في تخطيطها لأهداف منجزها وأدواته، ذات محتوى فكري ناضج وقادر في الوقت ذاته على تحقيق التوازن الدقيق بين الترفيه والجدوى المطلوبين.
في دراما 2020، ستلعب إحدى العشوائيات البيروتية المهمشة المشابهة لكل عشوائيات العالم العربي، أحد أبرز أدوار البطولة التي تحتضن بيئياً الفقير والبسيط والغريب والخارج عن القانون، يتراكمون معاً في طبقات بيوتهم الكرتونية كما تتراكم همومهم الحجرية، تعتصرهم المساحات الخانقة وتؤازر بينهم الشدائد، يغلفهم جميعاً ثوب التقوى والفضيلة كسماء واطئة، بحيث تبدو المشهدية غير المصنّعة، لناظرها المحلي القريب قبل البعيد، غريبة عن الصورة النمطية التي قُدمت عن بيروت لسنوات برقي وتنميق أحيائها وقصورها وشوارعها.
وعليه، ستحرص الرؤية الإخراجية الفنية التي تلج في زواريب هذه البيئة الصعبة لوجستياً، على تكرار اللقطات الموسعة التي تكشف متاخمتها جغرافياً لأبراج بيروت الناهضة على مسافة خطوات، للتذكير بأن هذه العشوائيات التي تعيش مع سكانها في الظل وتبدو كقطعة جانبية رثة من ثوب بيروت، هي البيئة التي تصنع الأحداث الخفية التي تتفاعل مع المناطق الأخرى في تبادل الأثر والتأثير.
سيحضر الترفيه هنا برؤيته الفنية المريرة والعميقة المصاغة بحرفية كاتبي السيناريو، بلال شحادات، وندين جابر، عبر الغوص في عوالم قاطني هذه العشوائيات والبحث عن بعض تلك الجماليات الكامنة في قعر النفس البشرية المسحوقة، واستنطاقها بحوارات بسيطة وموجعة، وفرحة أحياناً، لتحريرها أمام مشاهدها الشاهد، بما علق بها من ترسبات راكمها القهر واليأس والبؤس والفقر والخطيئة.
المخدرات وعوالم صراعات تجارها، قضية ليست بالجديدة على الدراما العربية، لكنها تطرح هنا بلبوس مختلف، أحد أبرز أبطاله فتيات مشاركات ومسحوقات، مخيّرات بين دلف عالم الدعارة والملاهي الليلية والضياع، ومزراب الأقبية الخانقة كالقبور، أو الموت. يدسسن السم بنشاط في الطعام أو ضمن ابتكارات شيطانية أخرى، ليتلقفه بشهية بعض من قاد هؤلاء الفتيات إلى مصائرهن صاغرات، في أبشع استغلال جنسي أو إنساني وضمن دائرة محكمة القسوة.
كما سيبدو البطل "القبضاي" أنموذجاً للرجولة والشهامة والنخوة والكاريزما الاجتماعية، صانعاً للجريمة المنظمة تحت ثوب العفة والتقية و(ياعفو الله)، يوزع الإغاثة للمحتاجين كأفعال خيرية من جهة ويتحكم بمصائرهم من ناحية أخرى، بحيث لا تختلف شخصيته في تناقضها الحاد عن سمات شخصيات عالمية شهيرة اتهمت بغسل أموالها بأنواع مختلفة من الصابون، من أبرزها شامبو التخفي خلف ستر الأديان بتنوعها.
محاكاة عالم المخدرات المحمي دولياً من رجال المافيات في الظل محاكاة غير ذات جدوى، لكنها تبقى وسيلة ناجعة في صناعة التشويق الدرامي. في المقابل يعول هنا على الأثر الذي قد يحرضه بعض الشيء الخط الدرامي الأهم في العمل، وهو الخط الخاص بحياة الأرملة، أو بطلة العمل، سما النقيب، في قوى الأمن الداخلي.
حيث يضيء العمل بشفافية وانسيابية على حياتها الشخصية وصراعها مع حق الوصاية على طفلتها وتحكم أهل الزوج بعملها وخصوصيتها كامرأة وكأم، الأمر الذي يعيد أهمية طرح قضايا قوانين الأحوال الشخصية في الدراما، ويفتح باب المظلومية التي تعيشها النساء مع غياب الحقوق أو ضبابيتها، مهما علا شأن المرأة والمنصب الذي تتقلده في ظل هذه القوانين المجحفة.
وهو خط يستحق التحية، غير مستغرب من كاتبي سيناريو مثقفين، تمكنا برشاقة من حبكه مع باقي الخطوط الدرامية، وصنعا منها نسيج نص متماسك وشيق، هو الأكثر مشاهدة منذ الحلقة الأولى وحتى اكتمال عشريته الأولى، ساهم في ترجمته إبداعياً وإحكام بنيته المخرج، فيليب الأسمر، مع كوكبة من نجوم الدراما، تميزت بينهم نادين نجيم في أداء شخصيتين ملفتتين، وكارمن لبّس التي تقدم هنا أحد أبرز أدوارها وأكثرها شفافية.
دراما 2020، علامة فارقة في مسير الدراما اللبنانية، لم تجتمع فيه جميع عناصر النجاح الدرامي الرئيسة فقط، بل طغت عليه روح الشغف الجماعية التي نفذ في ظلها، وبدت واضحة في كل تفاصيل الصنعة ومحيّا صنّاعها.
في هذا السياق، يحضر مسلسل "2020" كأنموذج درامي يلتقط بعض هذه الحساسية المجتمعية الملحة اليوم، ويطرح إنتاجاً معافاً من لوثة الترف التي أصابت الدراما لسنوات متتالية، عبر صناعة درامية متقنة في تخطيطها لأهداف منجزها وأدواته، ذات محتوى فكري ناضج وقادر في الوقت ذاته على تحقيق التوازن الدقيق بين الترفيه والجدوى المطلوبين.
في دراما 2020، ستلعب إحدى العشوائيات البيروتية المهمشة المشابهة لكل عشوائيات العالم العربي، أحد أبرز أدوار البطولة التي تحتضن بيئياً الفقير والبسيط والغريب والخارج عن القانون، يتراكمون معاً في طبقات بيوتهم الكرتونية كما تتراكم همومهم الحجرية، تعتصرهم المساحات الخانقة وتؤازر بينهم الشدائد، يغلفهم جميعاً ثوب التقوى والفضيلة كسماء واطئة، بحيث تبدو المشهدية غير المصنّعة، لناظرها المحلي القريب قبل البعيد، غريبة عن الصورة النمطية التي قُدمت عن بيروت لسنوات برقي وتنميق أحيائها وقصورها وشوارعها.
وعليه، ستحرص الرؤية الإخراجية الفنية التي تلج في زواريب هذه البيئة الصعبة لوجستياً، على تكرار اللقطات الموسعة التي تكشف متاخمتها جغرافياً لأبراج بيروت الناهضة على مسافة خطوات، للتذكير بأن هذه العشوائيات التي تعيش مع سكانها في الظل وتبدو كقطعة جانبية رثة من ثوب بيروت، هي البيئة التي تصنع الأحداث الخفية التي تتفاعل مع المناطق الأخرى في تبادل الأثر والتأثير.
سيحضر الترفيه هنا برؤيته الفنية المريرة والعميقة المصاغة بحرفية كاتبي السيناريو، بلال شحادات، وندين جابر، عبر الغوص في عوالم قاطني هذه العشوائيات والبحث عن بعض تلك الجماليات الكامنة في قعر النفس البشرية المسحوقة، واستنطاقها بحوارات بسيطة وموجعة، وفرحة أحياناً، لتحريرها أمام مشاهدها الشاهد، بما علق بها من ترسبات راكمها القهر واليأس والبؤس والفقر والخطيئة.
المخدرات وعوالم صراعات تجارها، قضية ليست بالجديدة على الدراما العربية، لكنها تطرح هنا بلبوس مختلف، أحد أبرز أبطاله فتيات مشاركات ومسحوقات، مخيّرات بين دلف عالم الدعارة والملاهي الليلية والضياع، ومزراب الأقبية الخانقة كالقبور، أو الموت. يدسسن السم بنشاط في الطعام أو ضمن ابتكارات شيطانية أخرى، ليتلقفه بشهية بعض من قاد هؤلاء الفتيات إلى مصائرهن صاغرات، في أبشع استغلال جنسي أو إنساني وضمن دائرة محكمة القسوة.
كما سيبدو البطل "القبضاي" أنموذجاً للرجولة والشهامة والنخوة والكاريزما الاجتماعية، صانعاً للجريمة المنظمة تحت ثوب العفة والتقية و(ياعفو الله)، يوزع الإغاثة للمحتاجين كأفعال خيرية من جهة ويتحكم بمصائرهم من ناحية أخرى، بحيث لا تختلف شخصيته في تناقضها الحاد عن سمات شخصيات عالمية شهيرة اتهمت بغسل أموالها بأنواع مختلفة من الصابون، من أبرزها شامبو التخفي خلف ستر الأديان بتنوعها.
محاكاة عالم المخدرات المحمي دولياً من رجال المافيات في الظل محاكاة غير ذات جدوى، لكنها تبقى وسيلة ناجعة في صناعة التشويق الدرامي. في المقابل يعول هنا على الأثر الذي قد يحرضه بعض الشيء الخط الدرامي الأهم في العمل، وهو الخط الخاص بحياة الأرملة، أو بطلة العمل، سما النقيب، في قوى الأمن الداخلي.
حيث يضيء العمل بشفافية وانسيابية على حياتها الشخصية وصراعها مع حق الوصاية على طفلتها وتحكم أهل الزوج بعملها وخصوصيتها كامرأة وكأم، الأمر الذي يعيد أهمية طرح قضايا قوانين الأحوال الشخصية في الدراما، ويفتح باب المظلومية التي تعيشها النساء مع غياب الحقوق أو ضبابيتها، مهما علا شأن المرأة والمنصب الذي تتقلده في ظل هذه القوانين المجحفة.
وهو خط يستحق التحية، غير مستغرب من كاتبي سيناريو مثقفين، تمكنا برشاقة من حبكه مع باقي الخطوط الدرامية، وصنعا منها نسيج نص متماسك وشيق، هو الأكثر مشاهدة منذ الحلقة الأولى وحتى اكتمال عشريته الأولى، ساهم في ترجمته إبداعياً وإحكام بنيته المخرج، فيليب الأسمر، مع كوكبة من نجوم الدراما، تميزت بينهم نادين نجيم في أداء شخصيتين ملفتتين، وكارمن لبّس التي تقدم هنا أحد أبرز أدوارها وأكثرها شفافية.
دراما 2020، علامة فارقة في مسير الدراما اللبنانية، لم تجتمع فيه جميع عناصر النجاح الدرامي الرئيسة فقط، بل طغت عليه روح الشغف الجماعية التي نفذ في ظلها، وبدت واضحة في كل تفاصيل الصنعة ومحيّا صنّاعها.




0 تعليق على موضوع : "2020".. الدراما حين تصنع بشغف
الأبتساماتأخفاء الأبتسامات