خلال أشهر الصيف الأربعة الأخيرة، توهم سكان النصف الشمالي من الكرة الأرضية أن فيروس كورونا قد اكتفى منهم، أو ذهب يستجم في إجازة صيفية بعيدا عنهم، فعادوا إلى حياتهم شبه الطبيعية في العمل والمقاهي والأسواق، والمشاركة في المناسبات الاجتماعية والثقافية، والحصول على بعض الدفء عند الشواطئ، وحركت بعض شركات النقل الجوي طائراتها في حركة شبه طبيعية.
لكن هذا الفيروس في الحقيقية لم يهدأ أو يسترح، وإن خفف ثقله عن بعض المناطق الذي ترافق بتراجع طفيف في تركيز وسائل إعلامها عليه، إلا أنه ظل يصول ويجول ويمارس دوره كقاتل محترف، يحصد ضحاياه في عدد من دول نصف الكرة الجنوبي خلال موسم شتائها، وفي رحلة تسكعه بين الشمال والجنوب، والتي تبدو أنها رحلة ستتكرر إلى أجل غير واضح، توقف في دول الوسط الجغرافي والشرق الأوسط، وروّع سكانها ولا يزال، قبل أن يستعيد نشاطه في القسم الشمالي الذي حلّ شتاؤه على الأبواب.
وأنت، مثل أي فرد ينتمي إلى بلاد منكوبة بآلاف الويلات، تجرب في كل مرة أن تختلي بنفسك وتتأمل ما يجري في هذا العالم، وتحاول أن تلتمس بعض الطاقة الإيجابية والآمال في إيجاد حلول، تنهي تغول هذا الفيروس وعدد من القضايا الشائكة مع اقتراب هذا العام من ختم أيامه الاستثنائية، ستصحو من خلوتك بصفعة أحداث جديدة تذكرك أن هذا العالم فقد البوصلة، ويبدو حقيقة كأنه ينتحر ويتجه نحو إفناء ذاته بإرادته.
لمن من هذين العدوّين صعبي المراس، ستمنح البشرية اهتمامها وأولويتها في ظل هذه الأجواء العالمية من معارك كسر العظم المستمرة؟
عشرات العناوين الصاخبة التي تضج حولك، جريمة همجية إرهابية مدانة بالمطلق تتمثل بقطع رأس مدرس فرنسي، عنصرية ونشاط اليمين المتطرف وحركات تمجد تفوق الرجل الأبيض، إسلافوبيا، مظلوميات ودعوات للمقاطعة، إهانات ـ مدانة ـ لجميع أتباع الديانات السماوية وغير السماوية، وجميع الملل والنحل في الفضاء الإلكتروني وعلى الأرض، مظاهرات غاضبة وتطرف من هذا الطرف يقابلها مظاهرات أكثر غضبا وتطرفا من ذاك الطرف، تصريحات استفزازية متبادلة لساسة دول كبرى تهيّج العامة، وتؤجج كل ما تقدم.
في الوقت ذاته، تُفتح جبهات وأزمات سياسية وعسكرية جديدة تلقي بآلاف الضحايا من القتلى واللاجئين والأرامل واليتامى، وتزداد مؤشرات اقتصاديات العالم تدهورا، ويسجل عدد العاطلين عن العمل ومستويات الهجرة أعلى مستوياتهما، ويزداد تغول الفقر والجوع، وانسداد الأفق عن جديد في إمكانية فتح ثغرات لتنشيط الحلول والمشاريع التنموية التي يمكن أن تنقذ بعض هذا التدهور العام.
العالم الافتراضي لم يعد افتراضيا، ولم يعد المساحة الكونية النبيلة لممارسة التواصل الإنساني والاجتماعي، وبات الوسيلة المجانية الأخطر التي يستغل فيها أبشع استغلال مفهوم حرية التعبير، ويُسخّر من قبل الجبناء من منتحلي الحسابات الوهمية، وأصحاب الفكر الترهيبي من جميع الاتجاهات والانتماءات، لإشاعة التعصب وممارسة ترهيب أصحاب جميع الأفكار التنويرية، وتمجيد الإرهاب وأصحابه، ثم التوجه لإلغاء الآخر حقيقة على الأرض وليس مجازا، بعد الانتهاء من عملية شحن الكراهية والأحقاد الممهدة في العالم الافتراضي.
تعطلت الحوارات الإنسانية الرشيدة، وغُيَّب الحكماء والعقلاء والمفكرين، وتراخت القيادات الواعية، وحُللت القباحة بديلا عن الجمال، واستبدلت كل أشكال التفاهمات بكل أشكل العنف اللفظي والنفسي والجسدي. كل ذلك يحدث وفيروس كورونا يعظّم من شأنه ويخيم على الأرض، ويرمي بظلاله الثقيلة المتصاعدة مع كل جولة من جولاته الضاربة.
في المقارنة بين هذا الفيروس والفكر الإرهابي أو الترهيبي، سيبدوان متشابهين في الأثر وإن اختلفا في المنشأ، حيث فرض الفيروس على كل فرد في العالم أن يخشى الآخر ويهابه ويبتعد عنه، حتى وأن يكرهه ضمنا لأنه قد يشكل خطرا محتملا على وجوده. الاثنان عدوان للبشرية بلبوس واحد ويحصدان ضحاياهما دون تمييز، غير مرئيين، ويطوفان في الأرض ويجولان عابرين للضوابط والحدود والجغرافيا.
لمن من هذين العدوّين صعبي المراس، ستمنح البشرية اهتمامها وأولويتها في ظل هذه الأجواء العالمية من معارك كسر العظم المستمرة؟
العالم الافتراضي لم يعد افتراضيا، ولم يعد المساحة الكونية النبيلة لممارسة التواصل الإنساني والاجتماعي، وبات الوسيلة المجانية الأخطر التي يستغل فيها أبشع استغلال مفهوم حرية التعبير
لا شك أن المواجهة يجب أن تنصب في مسارين متلازمين، بما تعنيه من حرب مزدوجة تفتح جبهتين عميقتين، لن تستطيع قيادات الدول تحملهما بمفردها، إن لم تتضافر جهود الأفراد وتحمل المسؤوليات بأهمية التعاون المشترك لمساعدة الآخر للتخلص معا من بلاء كورونا، وأيضا التعاون المشترك بين الأفراد وتحمل مسؤولياتهم، لمواجهة أي فكر إرهابي أو ترهيبي، وعدم الخوف أو التراجع أمامه، والتصدي له عبر جميع الوسائل السلمية المتاحة.
فيما تناط مسؤولية ملحّة وشديدة الأهمية، بالمشرفين على وسائل التواصل الاجتماعي وجميع المنصات الإلكترونية، التي وإن يصعب ضبط فلتانها كليا، إلا أنه يمكن التشديد على الشروط التي تسمح بفتح الحسابات والتحقق منها، ومنع التعليقات المسيئة والتحريضية، وسد المنافذ أمام الإجرام ما أمكن، لعل هذا التشديد يساهم ولو نسبيا في تراجع للفكر الترهيبي، ويمنح الوقت للبشرية للالتفات إلى صحتها ومعافاتها لاحقا من البلاءين.
في هذه اللحظة وأنا أنهي مقالي، أقرأ عن هجوم على كنيسة في مدين نيس الفرنسية ومقتل ثلاثة بينهم امرأة نحر رأسها، وعن نصف مليون إصابة عالمية بفيروس كورونا خلال يوم واحد. خبران في لحظة واحدة سينسفان كل محاولات جلب الطاقة الإيجابية وبعض الطمأنينة الواهية، وينتابك إحساس مضن أن أحداث سنة 2020 قد تبدو لنا مزاحا، أمام ما ينتظرنا في السنوات القليلة القادمة.





0 تعليق على موضوع : محاربة العدوّين، كورونا والإرهاب // كوليت بهنا
الأبتساماتأخفاء الأبتسامات