شبكة الدانة نيوز -- المقالات  شبكة الدانة نيوز -- المقالات



random

آخر الأخبار

random

جاري التحميل ...

الهوس الدينى وخطاب القتل / بقلم : د. يسرى عبدالله






أى تعاليم دينية أو غير دينية تلك التى تجعل من اصطياد وقنص أبرياء عزل هدفا لها وغاية؟ وأى تصورات يعتمد عليها الإرهابيون وهم يقدمون على تفجير سيارة مفخخة، أو إطلاق النيران، أو حمل القنابل، أو تفجير النفس فى الغير، أو غيرها من آليات القتل وأدواته، وأى تنظيرات ونصوص يعتمد عليها هؤلاء القتلة فى ترويع الإنسانية ودفعها صوب هاوية مجهولة، تُنتزع فيها الروح من قلب الجسد، ويتحول الإنسان - معجزة الكون - إلى محض أشلاء تتطاير فى الهواء، أو تختفى ملامحها وتتبدل فى لحظة من لحظات الهوس الدينى التى تسيطر على المتشددين فى عالمنا العربى.
إن لحظة هوس واحدة كفيلة بتحطيم العالم، وربما من كثرة الإرهاب والضحايا والقتل المروع، تتوارى التفاصيل الصغيرة، فلا أحد يعرف ما يخلفه القتل فى النفوس الوادعة، والبعض فحسب هم من سيفكرون فى المآلات المأساوية والآلام النفسية التى ستلحق بأسرة تفقد عائلها، أو طفلها، او ابنتها الجميلة، فكل شيء فى مرمى القسوة والانحطاط اللانهائى لتيارات الإسلام السياسى التى تحمل أوزارا تليق بالقتلة والمخربين والمفسدين فى الأرض.
فى شهر مايو من العام الماضى سقط تسعة وعشرون شهيدا جراء اعتداء إرهابى على حافلة سكنتها الدماء، وفى الأول من نوفمبر من هذا العام يتكرر الاعتداء على حافلة أخرى فى الطريق إلى دير الأنبا صموئيل فى محافظة المنيا، وبما يعنى أن هناك محاولة لتخويف أهلنا من الأقباط وترويعهم، من جهة، واستهدافا ممنهجا للدولة المصرية وناسها من جهة ثانية، فالإرهاب لم يفرق فى اختيار الموت للجميع، حيث يرفع شعارا مفاده أن القتل هو الحل، متخذا من فتاوى وتصورات رجعية ودموية أساسا له، ومستغلا غياب التصورات المستنيرة أو على الأقل عدم شيوعها فى مواجهته.
إن مراجعة الموروث ومساءلته باتت فريضة حياتية، وطنية وإنسانية معا، وباختصار شديد، طالما بقى هناك شيخ متأسلف يحرم السلام على الأقباط وتهنئتهم بالأعياد فقل على المحبة السلام.
إن تراجع قيم التسامح جزء من تراجع كبير شهدته الثقافة الوطنية، التى انحسر دورها فى الأداء الكرنفالى، الذى ينطبق عليه المثل العربى الشهير «أسمع جعجعة ولا أرى طحينا» وبدأ معنى الثقافة ذاته يضيق ليلتحق بحلقة نخبوية وفارغة فى نفس الوقت؛ لتبتعد الثقافة عن الفضاء العام، وتتخلى عن كونها جزءا مركزيا فى صناعة العقل المصرى من جهة، وتعبيرا عن القوة الناعمة المأزومة من جهة ثانية.
تخلت الثقافة عن دورها المركزى بوصفها رافدا مهما من روافد تحرير الوعى الإنسانى، وبناء الشخصية المصرية المنفتحة على واقعها المتعدد، والمرتكزة على قيم التنوع الخلاق، وصار التنوع مغرما، حين هيمنت أنماط رعوية من الثقافة على العقل العام، واتخذت من النمط الوهابى فى التفكير معيارا، وانحازت إلى قيم الاستهلاك واللا معنى، لنصبح - ومن ثم- أمام وطن يدفع فاتورة باهظة تمتد منذ السبعينيات من القرن الماضى وحتى الآن، حيث طغت التصورات الماضوية فى رؤية العالم، وسقط المعنى لمصلحة نقيضه.
وعبر هذا الفهم فإن ما حدث فى تونس مثلا منذ أيام قليلة ليس منفصلا عما حدث فى مصر، فالمرأة التى تذهب إلى تفجير نفسها هى إرهابية بامتياز، تستلهم ثقافة الموت، وتحاول فرضها بقوة القتل والتدمير، وهوس الاعتناق للفكرة الماضوية المتشددة الإرهابية التى خرجت من رحم تفسيرات بالية، وتصورات شبحية تليق بعالم كهفى تحكمه ظلال من الموت والعجز والانتهاء.
ويبدو المشترك بين الإرهابيين الذين اغتالوا أهلنا فى المنيا، والإرهابية التى فجرت نفسها فى تونس، كامنا فى الذهنية نفسها، تلك الذهنية التى استباحت كل شيء، وبنت تصوراتها على الاستنامة للتراث، والاعتقاد المطلق بأن ما يرددونه ويردده شيوخهم هو عين الصواب وحده، فللحقيقة وجه واحد لدى هؤلاء، يحتكرون فهمه وتفسيره، وهم من يملكون الصكوك الذاهبة بالناس للجنة أو النار، ولذلك لن يفكروا طويلا قبل أن يمارسوا حكما بإزهاق روح، أو قتل نفس، فالجنة الموعودة فى انتظارهم، والجحيم فى انتظار من خالفهم، والمفارقة العبثية هنا أن القتلة ينتظرون الجنة ويؤمنون بأن ضحاياهم سيكونون فى قلب الجحيم!. وليس أكثر من هذا الفهم تعبيرا عن قلب الظلام ولا حضورا فى متن الجحيم الفكرى الذى ينطلق منه هؤلاء الجهلة واللا إنسانيين، والذين تلفظهم أية قيم وأية تعاليم وأية مبادئى تحرر الإنسان الفرد، وتؤكد كينونته باستحقاقه عالما أفضل، وحياة ليست كالحياة، بل جدارة إنسانية تحقق إنسانيته المهدرة على مذبح الرجعية، والتصورات التكفيرية، والتشدد الدينى، وكل الأفكار التى أسهمت فى صنع الخراب العام، وسعت إلى جر عالمنا العربى إلى فخ الطائفية والفوضى، فأصبحنا أمام حالة ممنهجة من التكريس للتخلف، ومحاولة إعاقة أى بناء فكرى أو مادى، تحت مظلات غوغائية تعد استمرارا لظلمة حالكة تخشى دائما من نقطة النور.

كاتب الموضوع

شبكة الدانة الاعلامية

0 تعليق على موضوع : الهوس الدينى وخطاب القتل / بقلم : د. يسرى عبدالله

  • اضافة تعليق

  • الأبتساماتأخفاء الأبتسامات

    https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEhtNRmjx_UlCfdrZ46drcpO38rFltEv-Cic1BDDlTbrEu_jYvybafnAcAgh_xQvY9eA58T4vZPR2po6XgGqfsGzUP3MaOPekpsryhi2oh78x_lzyqOtZzTifUfUJYgNkUlu1Ku-A4epcUo/s1600/%25D8%25A7%25D9%2584%25D9%2584%25D9%2588%25D8%25BA%25D9%2588+%25D8%25A7%25D9%2584%25D8%25AC%25D8%25AF%25D9%258A%25D8%25AF+%25D9%2582%25D8%25B3%25D8%25A7%25D8%25B3+200+%25D9%2581%25D9%258A+250.gif





    إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

    إتصل بنا

    فن تشكيلي

    فن تشكيلي
    لوحة مختارة من جاليري سفن تايمز

    مشاركة مميزة

    تأثير موجة الإرهابيين الأجانب على الأمن القومي المصري

    بقلم : د. إيمان رجب * مع استمرار العمليات العسكرية ضد تنظيم داعش في العراق وسوريا، تتزايد مناقشة مصير الإرهابيين الأجانب الذين سيخرجون ...

    الفلسفة والفلاسفة

    ابحث في الموقع عن المواضيع المنشورة

    جميع الحقوق محفوظة لـ

    شبكة الدانة نيوز -- المقالات

    2017