بقلم : رشا نبيل
ذهبت لإجراء مقابلة تلفزيونية مع السيد مصطفى نابلي، الاقتصادي البارز ومحافظ البنك المركزي في تونس سابقاً، وعندما جلسنا لإجراء الحوار سألني: أين أوراقك والأسئلة التي معك؟
فقلت له: لدينا مشهد شهير في فيلم سينمائي يقول بطله: «العلم في الرأس وليس في الكراس»، فضحك الرجل. وبعد انتهاء الحوار قال لي ضيفي العزيز: «الرأس أهم من الكراس».
المسألة ببساطة تعود إلى طبيعة تجربتي الإعلامية، التي بدأت خطواتها الأولى بالعمل كمحررة للأخبار ومعدة للبرامج. وللحق لم يكن هذا خياري؛ لكن الظروف فرضت ذلك؛ لأن العمل كمذيعة لم يكن متاحاً لي بهذه السهولة.
عملت أيضاً في مستهل تجربتي مراسلة، ثم «رئيسة تحرير» برنامج، وبالتالي كانت المادة التي أقدمها صناعة ذاتية. أذكر ذات مرة أنه تصادف أن عملت رئيسة تحرير برنامج، ومذيعة في بعض حلقاته في الآن نفسه؛ حيث تحتم أن أصوغ النصوص المفترض أن تقرأها المذيعة، وأن أقوم بقراءتها أيضاً، وهنا حدث شيء غريب؛ إذ لم أكن ألتزم بالنص، وعندما سألني أحد زملائي: «لماذا لا تلتزمين بالنص رغم أنك من كتبه؟»، لم أجد إجابة.
أؤمن بأن المذيع أو المحاور عليه أن يناقش مع نفسه وفريقه موضوعات برنامجه، وأن يكون شريكاً وفاعلاً رئيساً في صناعة المحتوى، أي «من أول الخط» كما يقولون. وعندها سيكون ممسكاً بكافة الخيوط أو أغلبها على الأقل، وهو الأمر الذي سينعكس إيجابياً في أسئلته وقدرته على تقديم برنامجه.
قد يرى البعض، في مدارس أخرى، أنه على الصحافي أن يمسك بأوراقه وأسئلته المعدة والمحددة سلفاً، مكتفياً بقراءتها، حتى لو كان قد شارك بنفسه في وضعها، باعتبار أن ذلك هو الاحتراف بعينه، وأن ما دونه هو عمل الهواة؛ لأنه يترك العنان للمذيع ليتحرك وفقاً لطبيعته، ما قد يجلب الأخطاء أحياناً.
أحترم هذه النظرية ولست ضدها؛ بل على العكس قد تسمح في كثير من الأحيان بضبط إيقاع الحوار في مدته الزمنية وأسئلته القصيرة وتغطيته لمحاور كثيرة؛ لكني لم أستطع يوماً أن أفعل ذلك. حتى حينما عملت لفترة محدودة قارئة للنشرة، كنت أعيد تحريرها على الهواء، وهو ما استدعى توجيه اللوم العنيف لي ذات مرة من أحد أساتذتي في مجال الإعلام، وهو الإعلامي المغربي البارز محمد ذو الرشاد، قائلاً: «المحترفون لا يفعلون هكذا». ولكني لم استطع يوماً أن أتخلى عن طريقتي، رغم بعض محاولاتي البائسة.
ذات يوم ناقشت الموضوع مع صديقة تهوى المطبخ وتتميز فيه، فقالت لي: «وما العجب فيما تقولين؟ هل حينما يذهب المحترفون في الطهي لإعداد الطعام يحملون معهم الأوراق بالمقادير والخطوات؟». قلت لها: «لا ليس شرطاً»، فقالت: «إذن ما يحدث ربما هو عين الاحتراف، فالطعام لا يُطهى بالمقادير والخطوات، ولكن كما يقال بالمصري (بالنَّفَس في الطبخة)».
لطالما تساءلت: «هل لو تمكنت من إجادة الطريقة الأخرى في العمل، فسيظل موقفي كما هو؟ هل تحقق الطريقة الأخرى مزيداً من النجاح؟»، الحقيقة لم أصل إلى إجابات محددة، ولكن ظل يقيني دائماً هو ضرورة بذل أقصى مجهود في العمل، وطرح الأسئلة والبحث عن المعلومات والإعداد الجيد لأي حلقة أو موضوع نقاشي أو مقابلة تلفزيونية، بغض النظر عما إذا كنت سأحمل أوراقاً معي أم لا.
لا يهم أن تقرأ من الورق أو أن تبادر مرتجلاً بطرح الأسئلة وتوجيه النقاش؛ لكن المهم أن تكون جاهزاً للموضوع الذي تتصدى له، وأن يكون حديثك نتاج جهد حقيقي منظم ودؤوب.
* إعلامية مصرية
0 تعليق على موضوع : بين الهواية والاحتراف -
الأبتساماتأخفاء الأبتسامات