كيف يعيش الفلسطينيون اليوم، بكل فئاتهم وبكل المناطق.. بالضفة، بغزة، بالقدس، وأراضي 1948.. على اعتبار أنّ الشروط في هذه الأماكن مختلفة. كيف يتدبرون أمورهم الحياتية؟ ماذا تغيّر؟ وبأيّ درجة من الأزمة الشديدة هم يعيشون اليوم؟
بالفعل، لا يمكن الكلام عن شعب فلسطيني واحد. طبعاً هو شعب قضيته واحدة وطموحه وحقوقه جَماعية لا تُفرَّق. لكن نتيجة الاستعمار والتفوّق الإسرائيلي في أغلب المجالات فلا حالة واحدة نقول عنها "هذه هي حالة الفلسطيني". كل منطقة لها خصوصيتها ولها إطارها القانوني ولها مصادر رزقها ولها هموم مواطنيها. في المناطق الخاضعة للسلطة الفلسطينية (الضفة الغربية) هناك حوالي 3 ملايين فلسطيني في المدن الرئيسية والمناطق المتاخمة لها والمعروفة بمناطق
"أ" و"ب" (هي المناطق التي تكون للسلطة فيها ولاية مدنية وأمنية). وفي أوسلو صممت هذه المناطق بقصدٍ معين وتمّ تسليم السلطة جزءاً من الصلاحيات الإدارية للسلطة الفلسطينية في 1994. المنطق الفلسطيني كان أن تسلّم الصلاحيات في المناطق التي غالبية سكانها فلسطنيين وموجودين فيها، اي حوالي 40 في المئة من مناطق الضفة الغربية. نحن نتكلم عن 15 في المئة من فلسطين التاريخية، وتحت ولاية السلطة الفلسطينية 7 في المئة من مساحة فلسطين الكلية فيها حوالي 3 مليون فلسطيني.
ماذا تعني بولاية السلطة الفلسطينية؟
للسلطة الفلسطينية صلاحيات في مختلف المجالات المدنية بما في ذلك كلّ الخدمات الاجتماعية، وكلّ مجالات إدارة الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، بدون سيادة.. كل ما هو أقل من الصلاحيات السيادية موجود لدى السلطة بما فيها الصلاحيات الأمنية الداخلية، والتعليم، الصحة، النفايات، والصرف الصحي والاتصالات والمواصلات والعدل والأمن.. ولا تتدخل اسرائيل مباشرة في هذه المناطق، بالتالي يوجد حيّز لصناعة وممارسة السياسات، ربما هذا الحيز تم تصميمه في 94 او 95 وليس في أول مرحلة من أوسلو. كانت هذه صلاحيات كبيرة نسبياً وجديدة بالنسبة لمنظمة التحرير، التي كان لها تجربة حكم في لبنان على صعيد مخيمات معينة.. هذه الصلاحيات كانت جديدة في فترة التسعينات، وكان هناك شعور أن السلطة استلمت مسؤوليات كبيرة رغم أنّها في الدفاع والأمن محدودة الصلاحيات. الصلاحيات الاقتصادية أيضا محدودة بالجانب المالي الخاص بإدارة الحكم، مثل جباية الضرائب والإدارة المالية للسلطة، وتقديم الخدمات العامة، ومنها الصحة والتعليم والاتصالات ومياه وطاقة وغير ذلك. بعد الانتفاضة الثانية، عندما حصلت نهضة جديدة في تجربة فلسطين بالحكم الذاتي، حاولت السلطة الفلسطينية أن تعظّم بقدر ما من هذا الحيز، واستغلت ربما كل الفرص المتاحة من ناحية سنّ قوانين ضرائب بعد القوانين الخاصة بإدارة الحكومة.. لكن حقيقة الحدود الضمنية لهذه الصلاحيات ظهرت خلال فترة سنتين أو ثلاثة بعد 2009 . كما نذكر في 2011 و2012 بدأت احتجاجات شعبية على غلاء المعيشة، وسعر المحروقات، وعلى ضرائب جديدة أتت بها السلطة وتغيّرات معينة أثّرت على فئات اجتماعية أكثر من غيرها، وحصل نوع من التخبط لأن السلطة كانت تحاول أن تحل مشاكل متفاقمة بينما الأدوات السياسية الاقتصادية لديها محدودة جداً. تفتقد السلطة إلى سياسة تجارية مستقلّة، بمعنى أن اتفاقيات أوسلو منحت لها قليلاً من الاستثناءات للنظام التجاري الإسرائيلي، لكن مبدئياً النظام التجاري الإسرائيلي هو الساري.. ونقدر أن نقول أنه ليست السلطة بل القطاع الخاص الفلسطيني هو الذي لجأ إلى فتح أسواق جديدة عربية مثلاً، كمحاولة لتقليل الاعتماد على الاستيراد من إسرائيل..
الاستيراد من الدول العربية؟ هل تأتي البضائع عن طريق الأردن، وكيف تدخل؟
البضائع العربية تأتي عن طريق الأردن دون أي مشكلة، وهي تأتي عبر معابر تسيطر عليها إسرائيل. الجمارك الفلسطينية غير موجودة على المعابر الفلسطينية، مثلاً جسر الملك حسين تسيطر عليه الأردن وإسرائيل. امتلأت في آخر السنوات الأسواق الفلسطينية بالمنتجات المصرية والأردنية والخليجية. أيضاً يوجد بعض تجارب التصدير للدول العربية وهي جديدة، مثل الأدوية وبعض الخضار وبعض المنتجات الزراعية وزيت الزيتون والمنتجات التقليدية، لكنها قليلة لأن عمليات النقل مكلفة وإجراءات التفتيش مجحفة بحق التاجر الفلسطيني، لكن رغم ذلك هناك قصص نجاح وإصرار.. عندما نتكلم عن المبادِر الريادي الاقتصادي نجد حالات كثيرة، منهم رجال أعمال كبار ومنهم مشروعات أصغر، ومنها من تنجح في اجتياز العقبات، والتي هي الاتفاقيات أو السيادة المنقوصة أو الصلاحيات المحدودة الموجودة.. السلطة استغلت قدر الإمكان - وخاصة في ظلّ غياب حلّ سياسي أو أفق سياسي - هذه الصلاحيات لمحاولة تحسين حياة الناس وتنظيم الاقتصاد وتنظيم الأمن والقضاء. لكن من الواضح أنه عندما لا يوجد قدرة للوصول لـ60 في المئة من الأراضي إذ فوراً تجد نفسك في مناطق "ج"، الممنوع فيها البناء ولا استخراج المعادن، وهي محظورة على الزراعة.. ففرص توسيع رقعة نفوذ السلطة ضيّق والمخاطرة كبيرة جداً. وبالتالي فالتوسع الاقتصادي الفلسطيني الذي حصل بين 2009 و2013 (في 2010 كانت هناك نسبة 10 في المئة نمو حقيقي، و4 في المئة نمو بدخل الأفراد) جعل بعض المسئولين الفلسطينيين أيامها يقولون أنه في حالة الاستقلال سنرى نمواً بنسبة 15 و16 في المئة.. لكن ما حصل في آخر سنتين أعاد الحالة إلى الركود، والسبب أنّ القيود البنيوية على الاقتصاد هي التي تُطرح دائماً من جديد، وتفرض نفسها على الوضع. إذا نظرنا إلى ال 30 أو 40 سنة، منذ الانتفاضة الأولى وإلى اليوم، نرى التذبذب في النمو الفلسطيني وقد أصبح مزمناً وبنيوياً. يوجد فترات تعافي لمدة سنتين، ثلاث او أربع حيث يصل النمو الى 10 في المئة ، ولكن بعدها، وبسبب الحرب، وبسبب الانتفاضة، وبسبب كل الصدمات الخارجية التي تحدث، يحصل التدهور.. وآخر سنتين دخلنا في ركود اقتصادي ونسبة النمو تقريباً صفر. فمقابل المساعي من قِبل السلطة لإظهار أن هذا شعب قادر وهذه المؤسسات تستحقّ أن تستقلّ، مقابل ذلك طموح الناس يزيد مع فقدان الحل السياسي.. المواطن يقول لنتفاهم مع الحكومة الإسرائيلية الحالية، في ظل الوضع العام العربي الذي جعل القضية الفلسطينية مشطوبة من الأجندة. وهو أمر مفهوم عند الناس من دون القبول به.. يتفهّمون لماذا ليس هناك إنجاز سياسي، لكن مقابل ذلك يتوقّعون أن يعيشوا حياة كريمة، طالما أننا لا نستطيع التحرّك. في مناطق السلطة أكثر رقم أذهلني، وقد صدر في يوم 1 أيار، كان من نشرة خاصة عن العمال الفلسطينيين: 25 في المئة من القوى العاملة الفلسطينية عاطلة عن العمل، أي 75 في المئة من الناس في مناطق غزّة والضفة يعملون لكن من 75 في المئة الذين يعملون، هناك 35 في المئة منهم يعملون دون الحدّ الأدنى للأجور.. والحدّ الأدنى للأجور 1400 شيكل أي حوالي 350 دولار. في هذه الحالة يسأل المواطن كيف أن هناك نمواً يحصل وعمارات شاهقة تظهر، ويوجد مطاعم وفنادق ودكاكين وكل ما يلزم الإنسان من خدمات حديثة وحضارية إلى آخره.. لكن من الواضح أن هناك سوء توزيع في الثروة.
فقاعة رام الله
نعرف من بعيد أنّ هناك فوارق كبيرة بين رام الله وما تمثّله كمركز للسلطة الفلسطينية وكمركز لحركة السياسة والمال، وبين المناطق الأخرى. وهناك فوارق بين رام الله ومدن تعرّضت لقمع استثنائي ومتكرر، مدن كبيرة وعريقة مثل نابلس والخليل، والفروقات مع مناطق مخيمات النازحين في الداخل، ومع القرى.. فهل طابع الفروقات طبقي؟ حالة رام الله كاريكاتورية. يُقال أنّ هناك فقاعة وسط هذا البؤس اسمها رام الله.. ما هو الوضع الاقتصادي داخل رام الله المدينة ؟ هناك فروقات وهناك ما نسمع عنه وهو الفساد، يعني أن هناك أثرياء ليس لأنهم تجّار أو مقاولون وإنما لصلتهم بالسلطة السياسية؟ هذا موجود في بلادنا ويبدو أن فلسطين ليست استثناء.
فلسطين استثناء إلى حدّ ما، الغنى الفاحش في فلسطين موجود، لكن بتقديري فالناس الذين اغتنوا أو ترزقوا، فإن ذلك لم يحدث بسبب علاقتهم بالسلطة لكن بسبب علاقتهم مع إسرائيل. العلاقة التجارية خصوصاً، وليس بالضرورة بوساطة من السلطة. لكن بالعلاقة مع السلطة ممكن تحصيل تصريح أو إخراج بضاعة محجوزة وتسهيل معاملات.. ليس هناك أدلّة واضحة على العلاقة بين الاقتراب من السلطة وتراكم رأس المال. بالعكس، أرى تراكم رأس المال كنتيجة لعدم قدرة السلطة على ضبط الاقتصاد، بمعنى أنّ هناك تهرّب ضرائبي كبير. مثلاً بموضوع الكهرباء ومن يدفع ثمن الكهرباء، فهذا جدل لا نهاية له. حصلت في أيام أبو عمار أول مشكلة تتعلق بأن المخيمات لا تدفع ثمن كهرباء، وهو تعهّد أن السلطة تتحمل مسؤولية كهرباء المخيمات. ربما في المخيمات نوع من الاستهتار في الثروة العامة.. لكن اليوم شركة كهرباء القدس مسئولة عن توزيع الكهرباء بوسط الضفة في الأساس، والدين لشركة كهرباء إسرائيل على ما أظنّ مليار و500 مليون شيكل أو 300 مليون دولار، جزء صغير منه بسبب المخيمات وجزء كبير منه هو بسبب أن السلطة نفسها لا تسدد فواتيرها. جزء آخر منها هو من كبار الشركات والمستهلكين، بالرشوة أو بسوء إدارة، أو بحجج شتى تستطيع التهرب من مستحقات الدفع.. صحيح أن رام الله تشكل نوعاً من فقاعة في الحالة الفلسطينية لكن..
في إحدى المرّات كان هناك دعاية للتسليف من البنوك للاستهلاك، وكأنهم في بلد عادي ويدعون للتسليف وشراء البيوت والسيارات.
لازال هناك حوالي مليارين إلى 3 مليار دولار سنوياً قروض على السكن ونسبتها 80 في المئة، والسبب أنّ هناك طموح وحاجة لذلك وخاصة أنّ رام الله أصبحت عامل جذب واستقطاب للموظفين. من يأتون من نابلس للعمل في رام الله يحتاجون لشراء شقة فيها. الطلب على السكن عالٍ ومبدأ الرهن العقاري دخل من حوالي 10 سنوات والبنوك تقرض بين مليارين و3 مليار دولار سنوياً، جزءٌ منها للاستهلاك وجزء لشراء البيوت.
هل هذا شجّع على نشوء طبقة تعمل لدى السلطة وهي التي تقترض؟
نعم تلك هي النواة الصلبة للإقراض، لكن ليس بالضرورة فقط أنهم موظفون لدى السلطة، حوالي 50 أو 60 في المئة من الموظفين لدى السلطة لديهم قروض، ولولا الضمانات التي تطلبها البنوك من السلطة (والمعاشات ترتبط بالقروض والتقسيط الشهري يُخصم قبل أن يقبض الموظف راتبه من البنك) ولولا هذه الضمانات لم يكن القطاع المصرفي الذي هو أنجح قطاع وأكثر قطاع فيه نمو قد وصل إلى هذا..
ما هي البنوك الموجودة؟
هناك عشرات البنوك، والبنوك الفلسطينية عددها قليل جداً، حوالي 7 أو 8 بنوك، هناك بنوك عربية، أردنية بالأساس. بنك فلسطين هو الأكبر وهو بالأساس من غزة وناجح جداً، ولديه وعي بأن حالة الناس صعبة. البنوك سمعتها جيدة نسبياً ولا يوجد نظرة أنها تسعى لتأخد أموالنا.. هناك مسؤولية اجتماعية لدى البنوك. وصحيح أن هناك دعايات تشجع على الاستهلاك والاقتراض لكن أيضاً هناك دعايات مفتخرة بعطاء البنوك للاقتصاد الصغير من الإنتاج الوطني والزراعة. الحالة الفلسطينية هي مزيج غريب، هناك حاجة للتكافل الاجتماعي ومن جهة ثانية هناك الحياة العادية، كل واحد يريد سيارة وبيت وتلفون ويريد السفر، هذا المزيج يُظهر نوعاً من التناقض. لكن المواطن الفلسطيني لا يشعر بهذا التناقض، والاحتلال أصبح كالهواء الذي نتنفسه والحياة اليومية والمشهد اليومي.. مثل الجبال التي نراها.. الإنسان غير المجبر على الاحتكاك مع الاحتلال ينسى الاحتلال ويفكر بحياته وعيشته وغيرها من الأمور الحياتية، ويصبح الاحتلال في الخلف، والاحتلال واعٍ لأهمية ذلك.. على سبيل المثال في ثورة السكاكين الأخيرة من شهر 10 إلى 12 كل الضفة كانت مكهربة وكل الناس أحسّت بهذه الحركة لأنه كان هناك تشديد من قبل الاحتلال، والشوارع أقفلت وحصلت مداهمات في وسط رام الله. ولا أحد ينكر بطولات الشباب، وأصبح السؤال: هل هذا دليل على وجود حالة جماهيرية جديدة، وهل هذا نوع جديد من المقاومة؟ الإذاعات كلها بثت الأغاني الوطنية لمدة شهرين - ثلاثة. ومع التهدئة أصبحت الأغاني عادية وتوقف بث نشرات متواصلة عن الأحداث. في هذه المناطق يتوق الناس للحالة الطبيعية وهذا مفهوم بالنسبة لي بسبب الإحباطات المتكررة والأفق المسدود. وفي نابلس والخليل لا يرون العدو والمستوطن والجيش الإسرائيلي، فيعتبرون أنها فسحة لكي يعيشوا حياتهم.
القدس وأراضي 48
الوضع في نابلس والمناطق المحيطة بنابلس كان لفترات طويلة حاداً جداً، أما الاستيطان ففي قلب الخليل..
الخليل بالأساس أكثر منطقة تجارية تتعامل مع إسرائيل وأكبر التجار يستوردون عبر إسرائيل ومن إسرائيل.. تاريخياً الصناعة الأساسية الموجودة في الخليل هي نتيجة عقد فرعي من الباطن مع شركات في إسرائيل، فيوجد نوع من ادراك عند أهل الخليل بأنه يصعب الانفصال عن الاقتصاد الاسرائيلي بغياب بديل وبغياب السيادة، كما أن حالات المقاومة في الخليل تبقى قليلة.. والغريب أنّ آخر حالة انتفاضة انتقلت من القدس إلى الخليل.. طعن وموجة من المقاومة العنيفة تركزت في الخليل. من الممكن أن الأمر ليس له علاقة بالناس في الخليل، أو يمكن له علاقة بقرى فقيرة جدا في الخليل.. وفي الوقت نفسه فالتكافل والتضامن الاجتماعي جدا مرتفع في الخليل، وهذا هو سر النجاح الاقتصادي. في قلب المدينة وبجانبها وعلى طرق المدينة مستوطنين، فأي اعتداء سيُواجه من الإسرائيلي بشكل عنيف وقمعي جداً، والناس لا تسكت عليه.. ربما هناك مناطق أخرى من الأسهل إسكاتها، مثلاً رام الله.. لم يحدث أي شي في حالة السكاكين الأخيرة إلا على حاجز قلنديا وحاجز الDCO وهو حاجز يمر منه الشخصيات VIPS. وهي أقرب نقطة التصاق مع المناطق الفلسطينية المأهولة، فكان من السهل الوصول لها والتظاهر. أما غير ذلك فتركّزت أعمال المقاومة في الفترة الأخيرة في القدس والخليل.
لننتقل لقصة "الفقاعة"، فصحيح أن رام الله حالة شاذة إلى حدّ ما عن مناطق جنوب الخليل والمنطقة "C"، الموجود فيها حوالي 300 ألف فلسطيني أي 10 في المئة من سكان الضفة والتي تسيطر عليها إسرائيل أمنياً ومدنياً، وبالتأكيد رام الله مختلفة عن المدن الثانية، الأمن أفضل وحالتها أفضل، واهتمام الإدارة مختلف والحكم المحلي في موضوع ترتيب الشوارع وترتيب المدينة كذلك، وهي أكثر طموحاً وقرباً إلى الحالة العادية من أي مناطق أخرى.. لكن داخل رام الله نفسها يوجد بقع ومخيمات فقر مثل منطقة "أم الشرايط" المعروفة بالاكتظاظ السكاني وانعدام الخدمات ووجود خليط من الناس يأتون من مناطق مختلفة لا علاقة لهم فيما بينهم، وكذلك منطقة ما بين القدس ورام الله اسمها "كفر عقب" يوجد فيها حوالي 80 ألف فلسطيني، وهذه المنطقة خاضعة لبلدية القدس لكن هي عملياً داخل رام الله وبلدية القدس لا تمارس أي نوع من الخدمات، فبالتالي هناك عمارات تُبنى دون أي رخص ودون أي صرف صحي ودون مواقف سيارات.. هناك زيادة سكانية متواصلة دون مدارس أو عيادات أو أي نوع من شبكة البنية التحتية، وفي هذه المنطقة ممكن أن تشتري شقة بـ40 أو 50 ألف دولار.. المقدسيون الذين يريدون المحافظة على هويّتهم، يعيشون هناك ويدفعون ضريبة الأملاك لبلدية إسرائيل لطالما أنّ بلدية القدس تُعتبرها داخل إسرائيل.
والقدس حالة مختلفة رغم أنها تبعد فقط 15 كلم فقط عن وسط رام الله، لكن هي منطقة محكومة تماماً من قبل إسرائيل وخاضعة للقوانين الإسرائيلية. المناطق العربية في القدس محاصرة من المستوطنات شرقاً وشمالاً وجنوباً. حوالي 70 في المئة من المواطنين الفلسطينيين المقدسيين في حالة من الفقر.. طبعاً الفقر يُقاس بمستوى الفقر بإسرائيل وليس بمستوى الفقر بالضفة. في الضفة ينظرون للمقدسيين أنّ حالتهم جيدة، لكن لا مجال للمقارنة لأنّ تكلفة الحياة والضرائب البلدية وكلّ ما يتعلق بالحفاظ على الهوية مُكلف، وفرص العمل معدومة لأنه لم يعد هناك اقتصاد متكامل في القدس. هناك أجزاء من اقتصاد سابق.. والقدس هي العاصمة بينما لا وجود لخدمات حكومية، وبالتالي فالحكومة لا توظف في القدس، والخدمات الصحية والتربوية مربوطة ببلديات إسرائيل، والمرافق الصحية والتربوية الفلسطينية محدودة. يوجد مثلاً مستشفيان فقط وعشرات المدارس الخاصة التابعة للسلطة. 30 في المئة من سكان القدس يعملون في القدس الشرقية، في الحرف أو كتجّار صغار ومهن حرة وعمّال بناء.. 30 في المئة من السكّان يعملون في المؤسسات والاقتصاد الإسرائيلي مثل عمال مطاعم والمستشفيات، حتى في الفترة الأخيرة أصبح هناك خدمات صحية إسرائيلية في مناطق 48.. العرب دخلوا بشكل قوي في كلّ مهن التمريض والمساعدة الطبية، 30 في المئة من المقدسيين يعملون في الضفة.. من يريد أن يحافظ على وظيفة في الضفة وبيته في القدس فستكون مهمة شاقة جداً له يومياً بسبب مشكلات السفر والحواجز.. والمعاش الذي يمكن تقاضيه في الضفة بالكاد يغطي متطلبات الحياة في القدس. فهم عالقون ما بين عالمين، يريدون المحافظة علي مقدسيتهم، ويحاولون تنظيم أنفسهم بلجان محلية ولجان عمل، لكن لا وجود لسلطة فلسطينية في القدس ولا وجود لمؤسسات رسمية فلسطينية في القدس. هناك نوع من الشعور بأنهم متروكون رغم أنّ العاصمة هي القدس. لكن أين هي السياسات والتمويل والدعم والخدمات؟ وعلى الرغم من كل هذا، يرى الناس في الضفة أنّ المقدسيين لديهم تأمين وطني إسرائيلي وتأمين صحي وشيخوخة.
ما تأثير الجدار الفعلي على الاقتصاد والحياة اليومية؟
ليس فقط الجدار، أيضا البنوك الفلسطينية لا تقرض الأموال. ليست مسألة جدار إنّما مسألة الفصل السياسي والقانوني للجدار، له تأثير على التجارة وتدفق التجارة.. الجدار أثّر على الترابط الاجتماعي ليس بين قرية وأخرى، بل خلق مناطق لم يكن لها وجود سابقاً، مثل قرى القدس الشمالية التي لم تكن منطقة منفصلة وأصبحت الآن منفصلة وهي تابعة للضفة.. لكن بالأساس هي تابعة للقدس، ,إدارياً تابعة لمناطق "أ" و"ب"، يعني هناك مزيد من الإرباك والتعقيد والتناقض في المصالح إلى حد ما.
ما هي الوظيفة الفعلية التي حصلت عليها إسرائيل من الجدار؟
الوظيفة الأمنية بالدرجة الأولى.. تساءلت عن الهبة الأخيرة وما هي نتائجها على إسرائيل.. بالتأكيد هناك نتائج واضحة، فإسرائيل شعرت أن هناك نوعاً جديداً من المقاومة ليست محسوبة على أيّ فصيل وهذا خلق عندها إرباكاً وزاد من صورة "الفلسطيني الهمجي" عند المواطنين الإسرائيليين.. لكن على أرض الواقع اليوم الهبة حالياً انتهت.. إسرائيل اتخذت إجراءات شديدة، كلّما جاء الشعب الفلسطيني بوسيلة جديدة للمقاومة تستعمل إسرائيل كلّ التفوق التكنولوجي والعلمي والعسكري لتحبط هذه الوسيلة الجديدة. فعمليّات الاستشهاديين قوبِلت بالجدار، وإلى حدّ ما عرفت إسرائيل أن تُطوّر بسرعة وسيلة ردع.. كلّ مواقف الباصات أمامها أعمدة حديدية كبيرة لحماية المستوطنين، فأي أحد يريد أن يدخل بسيارته لا يستطيع ذلك. طبيعة الاحتلال والنضال يستمران والعدو يتفاجأ في كلّ مرة بوسيلة جديدة، ولا أحد يعرف ما هو مقبل.. موضوع السكاكين فاجأ الجميع، وفي فترة العمليات لم نعد نرى مستوطنين في القدس العربية بينما كانوا يتسكعون فيها في السابق.
هل للقدس اتصال يومي واقتصادي مع مناطق ال48؟
ليس القدس، وانما مناطق 48 عندها تواصل مع القدس، أي بالعكس من 48 إلى القدس.. فالسوق فيها يكون ممتلئاً نهار الجمعة والسبت بالسيّاح والمصلّين، لا أحد يمنعهم، إلا في حال المواجهات في الحرم. السلطات الفلسطينية تنصب حواجز بشمال فلسطين بسبب الباصات الآتية من أم الفحم والناصرة ومناطقهما. عموماً جزء مهم من الإمداد المالي والمعنوي الآتي للقدس العربية يأتي من فلسطينيي 48 الذين يأتون للأقصى للصلاة والسياحة نهارَي الجمعة والسبت.. الحركة نفسها موجودة مع الضفة، يوجد حركة سياحية من الشمال أو تجارية متواصلة، مثلاً شمال الضفة في مدينة مثل جنين حيث لقمة العيش للمدينة تأتي من حركة عشرات آلاف الفلسطينيين من الشمال من مناطق الجليل، يأتون نهار السبت للتبضع بالفواكه والمأكولات.. مدينة مثل جنين لولا هذه الحركة سيكون لديها أزمة اقتصادية. بينما القدس تعتمد على السيّاح، وفقط جزءٌ صغير من السياح يأتون عن طريق وكلاء فلسطينيين. الفنادق الفلسطينية عددها محدود، وعدد غرفها لا يتزايد ولا يستطيعون الإتيان بشركات سياحية أجنبية بسبب الفيزا والقدرة في الحصول عليها...
مقابلة مع رجا الخالدي، منسّق البحوث في "معهد البحوث السياسية الاقتصادية الفلسطيني" ("ماس")
المسألة الفلسطينية الآن: التشابك مع إسرائيل والاشتباك معها (2)
لاريسا صنصور - فلسطيننهلة الشهال
21-11-2016
وهم الدولة الفلسطينية انتهى
تكلمنا عن مقدار التداخل بين فلسطين والوجود الإسرائيلي، لا يوجد أيّ قدرة للكلام عن فصل، وأنت أكدت ذلك في السفير العربي وغيره، ما هو الحل؟ الإسرائيليون في نهاية المطاف احتلّوا فلسطين وتوسّعوا لكن هم أمام شعب فلسطيني لا يختفي ولا تنقص أعداده على الرغم من أنّه فقير ومضطهد: الناس باقون لا يهربون، وهم موجودون بأرضهم ويمتلكون بيوتاً وغيره.. على المستوى السياسي، الإسرائيليون الذين يتكلّمون عن السلام الاقتصادي، وعلى اعتبار أنّ بإمكان الإسرائيلي إقناع الفلسطيني بأنه يعيش أفضل وبإمكانه الاكتفاء بذلك. المأزق واضح لكن هل تتصور أنّ الإسرائيليين يفكرون بأفق هذا المأزق؟ يقلقهم؟
كنت أراهن على العنصر الديموغرافي وما زلت. إسرائيل تعي أنّها لا تستطيع أن تتخلص من الشعب
الفلسطيني، رغم أنّ هناك كثيراً من الأحزاب والقوى الإسرائيلية التي ترغب بذلك، وإنّهم لا "يرون" الفلسطينيين، يعني المستوطنون (حوالي 400 ألف في الضفة و200 ألف في القدس) لا يرون الفلسطيني، لا يرون الهضاب التي يعيشون عليها كما يراها العرب. يوجد مناطق تستغرب كيف يعيش المستوطنين فيها. لكن المؤسسة الإسرائيلية ترى الفلسطنيين بالتأكيد، وتفهم خطورة أيّ قوة فلسطينية سواء اقتصادية أو سياسية أو عسكرية، وتعمل يوميّاً على إدارة هذا الوضع، وعلى ضبط الإيقاع أو على ضبط احتمالات التمرّد الفلسطيني، إنْ كان من خلال الجزرة الاقتصادية أو العصا الأمنية. المؤسسة الأمنية الإسرائيلية بالذات تعمل ليلاَ ونهاراً على إدارة هذا الشعب الذي يحكمونه، وعلى التحكم بنا. مثلاّ تواجه القرى العربية في الشمال ظاهرة السلاح الشخصي المنتشر في كل القرى وعند كل الناس.. كل يوم يقتل أحد على خلفية جنائية أو غير جنائية، أو إثر شجار عائلي أو عن طريق الخطأ. أحد الناس الذين نعرفهم قتل أخاه بسبب خلاف تافه، والناس تتساءل أين الأمن الإسرائيلي وأين شرطة إسرائيل؟ ولماذا دائما الشرطة تأتي بعد وقوع الحادث ولا نراهم في لحظة التفاعل والحدث ولا يتدخلون؟ ما هي الحكمة من ذلك؟ هل إسرائيل معنية بخلق حالة فوضى عارمة في هذه القرى لكي تدفع الناس للانشغال ببعضها البعض حتى لا تفكر بمواجهة إسرائيل أو تنظيم نفسها والمطالبة بحقوقها؟ ربما لا يوجد تفسير آخر. في السابق كان السلاح فقط مع عملاء إسرائيل، الآن تفاجأ أنّ السلاح الفردي موجود في جميع الحارات.
في الغور الفلسطيني التابع لمناطق "c"، لا رصاصة أو حجر وُجّهت إلى دورية أو سيارة إسرائيلية منذ الإنتفاضة الثانية، لأنّ وضع المزارع الفلسطيني هش في هذه المناطق. حالته تعبانة، لا يقدر أن يغامر هكذا مغامرة، وإسرائيل تعي هذا الشيء جيدا، والمستوطنون الإسرائيليون في الغور يعون أنّ لا أحد سيؤذيهم.. ولكنّهم لا يجرؤون على دخول الأحياء العربية في القدس. عندما دخلتْ سيارة إسرائيلية مخيم قلنديا قامت الدنيا ولم تقعد ولم يكن أحدٌ يعرف لكن بالأخيرعرف الشباب في المخيم وهاجموهم. المقصود أنّ الإسرائيليين واعون تماماً أنّ هذا الشعب لا يحبهم ولا يرغب في تحكم الإسرائيلي به وعندما يديرون ظهرهم فهذا الشعب سيقوم ضدهم.
أفق الوضع الحالي: الاحتلال باقٍ
وهي لا تعتبر هذا مأزقاً؟ ما هو الأفق وإلى متى؟
إنّها إدارة الصراع إلى أن يتم ترويض وخلق نظام فلسطيني موالٍ لإسرائيل. وهذا إلى حد الآن غير موجود. فبغض النظر عن كل ما يقال عن التنسيق الأمني، لا تزال المؤسسة الفلسطينية الحاكمة تسعى للتخلص من الاحتلال، وما زالت تطالب بحقوق الفلسطينيين، ولا تؤدي الخدمة التي تريدها إسرائيل منها تماماً. يوجد نوع من حالة الهدنة، وهذه الهدنة تحسب من الجانب الفلسطيني ــ حسب القيادات الفلسطينية ــ بأنّه طالما نحن موجودون فذلك أفضل من أن نطرد، ليس كزعماء أو قيادات (بالتأكيد هناك من يريد الاحتفاض بسيارته وبيته ومنصبه وسلطته وامتيازاته ولا يريد أن يطرد إلى تونس أو الأردن ...)، لكن مبرّر وجود القيادة الفلسطينية ليس هذا، إنّما أن الإبقاء على حالة نضالية تتطلب بقاء الشعب الفلسطيني وتأمين احتياجاته. في الـ2011 أو 2012 شاركتُ في ندوة نظمتها الأمم المتحدة، وكنت قد كتبت نقداً لحكومة سلام فيّاض والتوجّه الليبرالي للسياسات الاقتصادية، وفكرة أن نستطيع بناء دولة من خلال حسن السلوك أو نفرض دولة، وشارك في الندوة وزير التخطيط وشخصية قيادية ثانية، وأنا بوصفي من الأمم المتحدة. لكنني فلسطيني، وأعرفهم جيدا. ألقيت الكلمة وكانت شديدة بعض الشيء. قال لي أحدهم وهو مع فتح "نؤيد ما تقول لكن لا نريد أن نقوله بالعلن". المعنى: يهمنا الاستفادة من سلام فياض على اعتبار أنّ له أصدقاء في الغرب، وقد حسّن صورة الفلسطيني هناك، وهدفنا أن نُبقي الناس على الأرض.
لكنّ الناس لن يرحلوا. ماذا تستطيع إسرائيل أن تفعل؟ لن تستطيع القيام بتهجير جماعي؟
لا ليس تهجير جماعي لكن استنزاف متواصل للطاقات والشباب، دفع الشباب للدول العربية والأردن وأوروبا. من وجهة نظرهم، إنْ لم يكن هناك حد أدنى من الازدهار فالناس سوف تذهب أو تُحبط. فبالتالي رؤيتهم أنّه طالما نحن نؤمن لقمة العيش والمعاش وشيئاً من الحياة الكريمة، سيبقى شعبنا على الأقل ملتفاً من حولنا وحول القضية ويبقى في البلد ولا يهاجر. وهذا هو الحد الأقصى الذي نقدر أن نقوم به. ورأيهم أنّه يجب ألّا ننتقد أداء هذه الحكومة لأنّ هذا ما نقدر عليه. شخصياً أصبحت أقلّ شدّة وأتفهم منطق المؤسسة الحاكمة، بمعنى أنني بت أفهم أنّ أيديهم مقيّدة، والأدوات السياسية والاقتصادية لديهم محدودة جداً.
لنفترض أنّهم ليسوا موجودين، وقالوا للأمم المتّحدة تفضلوا وقوموا بإدارة الوضع، نحن أصابنا اليأس والعجز ولا نريد أن نأخذ بصدرنا واقع الاحتلال. وهي دعوات تكررت كثيراً بأن تعلن السلطة حلّ نفسها وتسلم الأمم المتحدة مسؤولياتها. ما هي تبعات هذا؟
كيف من الممكن أن تقول منظمة التحرير هذا الشيء؟ هي استلمت مسؤولية إدارة شعبها بغض النظر عن الشروط، ومثل هذا الكلام معناه أنّها تحلّ نفسها تماما وليس أن تذهب إلى عمان وتونس وبيروت، بل تكون انتهت. ما هو الإنجاز الفلسطيني غير منظمة التحرير، مع كل مساوئها وعجزها وسوء إدارتها؟ لا، ليس لدينا إنجاز فلسطيني ثانٍ. أنا لا أسمي السلطة الفلسطينية إنجازاً بل هي واجب، هم مجبرون بعمله وهم طوّروه قدر الممكن. لكن كيف لمنظمة تدعي تمثيل شعبها أن تتخلى عن نصفه وتسلمه للأمم المتّحدة؟ وعلى الرغم من اعترافنا بفشلها، والحركة الفلسطينية المعاصرة فشلت، لكن ليس معنى ذلك أنها تنتهي. ليس كل من يفشل ينهي نفسه.
تتحول السلطة أكثر فأكثر إلى شكل من "الإدارة المدنية"، وهذا مشروع إسرائيلي نموذجي..
حتى لو حُلت السلطة سنبقى بحاجة إلى إدارة مدنية، افضل من أن يحكم الشعب الفلسطيني ضابط إسرائيلي.
ربع الموازنة الحكوميّة تُنفق على الأمن
لكن الأفضل ألا يكون هناك ادّعاء أننا في إطار حلٍّ سياسي. السلطة اليوم ليست في طور حلّ سياسي، ولا تملك أفقاً سياسيّاً، وهذا الحال ليس نتاجها. لنحيّد الفساد والقصور وكل شيء. يبقى أن السبب هو إسرائيل. العقبة إسرائيل والوهم أسمه الدولة.
في الحقيقة وهم الدولة ذهب. المحاولة الأخيرة للتوصل إلى حل سلمي كانت في المفاوضات التي استمرت إلى عام 2000، وفكرة أن "الدولة آتية" انتهت. على سبيل المثال، تُعدّ السلطة اليوم خطتها التنموية السداسية بدلاً من الثلاثية، ولأوّل مرّة منذ 7 أو 8 سنوات، لا تفترض الخطة انتهاء الاحتلال خلال الفترة الآتية ولا تركز على حتمية إقامة الدولة. هذه الواقعية برأيي من أهمّ إفرازات الفشل الذي تكلمنا عنه. أي أنهم اضطروا إلى القول أمام شعبهم أنّهم لن يستطيعوا في هذا الجو العالمي والإقليمي والإسرائيلي أن يَعِدوا بإقامة دولة في الفترة القريبة. وبالتالي فالاحتلال باقٍ، لكن نحن نريد أن ننظم أنفسنا ضمن هذا الواقع. إدارة ذاتية واقعية دون أيّ تعهد بأننا لن نقاوم وأنّنا سنتخلّى عن الأهداف الوطنية. في الوقت نفسه نجد السلطة أمام ضغوط مطلبية، مثلا إضراب المعلمين هزّ أركان السلطة الفلسطينية والوزارات المعنية، واضطر أبو مازن إلى التدخل وعمل أسبوعاً على حل هذه المشكلة ولو جزئيا. وآخر حركة هي الضمان. هناك أكثر من صندوق تقاعد حاولوا تنظيمها ضمن قانون موحد بشكل لم يلبِ غرضه بعد 5 سنوات من الجدل والحوار المجتمعي والقانوني والدراسات... إلى آخره. وفي الأخير نفذوا القانون بشكل سريع دون أخذ بالاعتبار للكثير من المشاكل، مما خلق حالة احتجاجية جديدة بعد إضراب المعلمين، فاضطرت الحكومة إلى التراجع، وأصبحت السلطة مجبرةّ على حل مشاكل الناس كونها تدّعي أنّها إدارة فلسطينية وطنية. لكن في الوقت نفسه فأدواتها القانونية والتطبيقية ضعيفة، والمؤسسة العامة بحاجة لموظفين كونها بيروقراطية كبيرة. مثلا وزارة الشؤون الإجتماعية لديها مفتش واحد في كل محافظة للحضانات. هناك مشكلة في تخصيص الموارد المتاحة، وهناك خلل كبير، حيث أنّ 25 في المئة من موازنة الحكومة تُنفق على الأمن، و25 في المئة على التعليم والصحة. هناك جدل متواصل، وطالما أنّنا أمام أفق ليس فيه تحرير ولا دولة ولا سيادة، فمن اللازم أن يكون هناك عدالة أكبر في توزيع الموارد. مثلا المعهد الذي أعمل فيه ينظم الآن مؤتمراً اقتصادياً في شهر 9 وقمنا ب 4 ندوات تحضيرية، وعناوين المؤتمر البطالة والفقر، وسوء توزيع الدخل، وسوء توزيع الموارد ما بين المناطق، وضرورة دعم الصناعة الوطنية، والزراعة. فهناك تركيز على ما يمكن إنجازه لكن بعيدا عن توهّم أن تؤدي الإنجازات إلى تحرير البلد. هذه الإنجازات هي لتأمين حد أدنى من العدالة الاجتماعية والنشاط الاقتصادي المتواصل، وبناء أركانٍ للمستقبل وتقوية النفس اقتصاديّاً على أمل أن نُعزّز موقعنا في المعركة الأكبر. تعزيز التواصل بين الضفة وشمال فلسطين سيحسن من الأداء ويجعل الحكم يبدو أكثر مسؤولية أمام الشعب.
هل نحن أمام فترة إدارة ذاتية للناس الموجودين في كلّ فلسطين.. بانتظار أن يتّضح أُفق نضالي لمرحلة أخرى عناوينها مختلفة؟ لا يمكن حلّ المسألة الفلسطينية داخليّاً، فلا هي نشأت على أسس محلية ولا تُحل على أسس محلية،. فهل المهمة المركزية اليوم هي إدارة الحياة اليومية للناس بأكبر جدارة ممكنة وبأحسن الشروط الممكنة.
نعم، لكن إن وقفنا هنا فثمة خطورة، ومعناه أن نكون قد قبلنا بالاحتلال. هنا ينفتح أفق آخر وهو الدولة الواحدة، وهي الواقع الذي نعيشه دون مواربة.
الدولة الواحدة هو ما نعيش فعلياً
لا المقاومة ستقضي على إسرائيل ولا إسرائيل قادرة على طرد الفلسطينيين خارج فلسطين! ولنفترض أنّ المؤسسة الإسرائيلية انهارت بفعل الكثير من العوامل، ليس الداخلية فحسب ولا العائدة للمقاومة فقط.. إلا أنه سيبقى في النهاية عدة ملايين من اليهود الإسرائيليين الموجودين على الأرض. وعودتهم إلى أرض أجدادهم، مثلا في بولونيا أو سواها، هي مجرد شعارات. الآن هناك بلد متساوي بعدد السكان بين العرب والإسرائيليين اليهود، وهذا واقع موجود وقد يتغير قليلاً مع تغير الشرط السياسي لكنّه سيظلّ واقعاً لا بدّ من التعامل معه. وبهذا يصير وجود الفلسطينيين والمقاومة على مستوى الحياة اليومية نوعاً من الاستعداد لأفق آخر غير وجود في الوقت الحالي..
أنا شخصيا أوافق. دولتان لشعبين كان شعاراً مناسباً حتى غاية التسعينات ربما لكن حين نسافر إلى الضفة الغربية ونرى توسع المستوطنات وشبكات الطرقات نستنتج أنّ الفصل الديموغرافي من المستحيلات. من جهة ثانية الهوية العربية عند الفلسطينيين وعند فلسطينيي 48 تتقوّى ولم تذب. بالطبع هناك أسرلة وهناك حالات اندماج، مثلا ملكة جمال "الكويرز" في إسرائيل كانت مؤخراً عربية. لكن الانفصال بين اليهودي والعربي موجود عمليّاً في كلّ مكان من الشمال إلى غزة، وفي القدس. لا يوجد انصهار للشعبين ولكن إمكانية الفصل الجغرافي صعبة، أنا أتساءل وأعتقد أنّ على الفلسطينيين جميعاً أن يتساءلوا عن ماهية انهيار إسرائيل. ربما انهيار كلمة كبيرة، لكن لنتساءل عن التناقضات داخل إسرائيل. نحن في الوقع لا نعمل على هذه التناقضات، ولم تركّز سياساتنا يوماً على تعزيزها كما تفعل إسرائيل معنا. هناك دولة تل أبيب وهناك دولة يهودا والسامرة كما يأتي في الإعلام الإسرائيلي، وآخر ما حصل بين نتنياهو ويعلون يعكس الأمر نفسه. ليست المسألة فقط في التوجه نحو الفاشية في إسرائيل، بل هي مسألة أنّ هناك من يريد أن يبني الدولة اليهودية الخالصة في كلّ أرض إسرائيل، وهناك من هو مستعدّ لأن يعيش خلف الجدار ولا يرى عربيا ولا يحكم عربياً حتّى. هذا تناقض كبير، وهو إلى حد ما مرآة التناقض بين المتدين والعلماني وبين المستوطن ومن لا يريد أن يستوطن. هذا التناقض قد يزداد بحكم الخلافات بين اليهود أنفسهم، لكن ما الذي يستطيع الطرف الفلسطيني عمله لتعظيم هذا التناقض وزيادة الصراع الإسرائيلي الداخلي، الذي ربما يكون المفتاح لنضالات جديدة موازية، على أقل تقدير للحصول على الحقوق الفلسطينية وللقضاء على الفاشية الإسرائيلية؟
تعرف أنّ الضعيف يحاول دائماً أن يحافظ على تماسكه بتحويل عدوه إلى كتلة واحدة. ينزعج الكثير من الفلسطينيين، وينظرون بعين الريبة للحديث عن مظاهرة من ألف يهودي مثلاً ضد نتنياهو وسياساته، وأنها شيء ثمين، فهم يعتبرون أنّ ألف شخص لن يغيّروا شيئاً. لدينا حلفاء داخل إسرائيل حتى ولو كانوا ضعفاء وغير مؤثرين، أن وجود سيدة كعميرة هاس أمرٌ ثمين. ينظرالمستاؤون الى ذلك على أنه وهم، ويرون أنّ الواجب هو تحويل الإسرائيليين كُتلة واحدة صمّاء. الإسرائيليون ليسوا كتلة صماء، وليس من مصلحتنا أن يكونوا كذلك. وصحيحة عدم قدرتهم على اقتلاعنا، لكننا لا نستطيع في الوضع الراهن وحتى في الأفق الظاهر اقتلاعهم. فإذا تخلى الإسرائيليون عن تسلطهم وعن كونهم الحاكمون وحدثت مساواة بين الطرفين في المواطنة. أيّ مشكلة ستبقى؟ هل أنّهم يهود؟ّ
لا ليس هناك مشكلة. نحن اعتدنا عليهم بعد 50 سنة من الاحتلال، لا بل 70 سنة و100 سنة، رغم ظلمهم، اعتدنا على وجود ثقافتهم. المشكلة أن تصبح الحقوق المعيشية هي الحقوق الوطنية وحق تقرير المصير الفلسطيني الوطني. الرموز والعلم وجواز السفر وكل شيء بالضفة متوفر ولكنه صار مملاً من فرط التشديد على Pal قبل كل اسم. يوجد ثقافة وموسيقى ومحمد عساف وكلّ شيء. لدينا كل الرموز الوطنية، أي أنّ الدولة الفلسطينية موجودة رغم كونها محتلة ولا تتمتع بالسيادة. النظام السياسي الفلسطيني رغم شوائبه وخلله موجود، الفساد الفلسطيني موجود، وكذلك المجتمع والتقاليد... بالتالي نحن حققنا جزءاً كبيراً من طموحنا الوطني، الناقص هي الحقوق الوطنية. فكيف يمكن إعادة تعريف النضال الوطني أو ما تبقى من التحرر الوطني بمفاهيم اجتماعية مطلبية حقوقية؟ هذا هو التحدي من أمامنا.
هنا اصطدام مع الهيمنة. وهم يجنون ويذهبون نحو "يهودا والسامرة" و"الأرض الموعودة" و"القدس عاصمة أبدية".. هذه هي تناقضاتهم، وهم مجانين ومتطرفين وفاشيين ويزدادون تطرّفاً. ما هي الوسائل المتاحة عند الفلسطينيين؟
ينتقد أبو مازن كثيرا لكن واحدة من إنجازاته هي الحوار مع "اليهودي". هذا أقلّ جانب يقدر عليه، هو دائماً يدعو مجموعات من اليهود وخصوصاً الشرقيين. أضعنا وقت طويل وكثير من الجهود على المشاريع المشتركة واعتبارها الطريق للسلام لكن عدم مخاطبة الإسرائيلي خطأ فادح. مثلا عندما طُردت عميرة هاس من جامعة بيرزيت.. نتخاطب مع الجميع. مع اليمين واليسار. مع العدو والصديق. المهم هو خطابنا. لا يجب أن نظهر كمن يريدون السلام لأننا أناس جيدون بل يجب أن يرتكز الخطاب على أنهم أجرموا فينا ونحن لنا حقوقنا. مثلا فيلم "نون وزيتون" يقول عنه الإسرائيليين إنه وضع الخنجر على أعناقهم دون أي عنف وأظهرهم مجرمين دون أي طلقة أو قطرة دم. هذا ما يجب أن يكون، أن نأخذ المنطق الأخلاقي الأعلى بحسب تعبير الإنجليز. فالمخاطبة تكون من المرتفعات الأخلاقية وليس من منطق حبّ السّلام وطلب القبول. الإقتصاد جزء من هذا الحوار، ولا أتحدث هنا عن الشراكة الاقتصادية، بل عن بناء قوة اقتصادية منافسة في بعض المجالات أو تساعد على الاستغناء عنهم على الأقلّ. مثلا عندما أوقفوا الاستيراد لخمس منتجات إسرائيلية، رأينا السلطة الفلسطينية لأوّل مرة تتجرّأ على تحدّي لوبي اقتصادي تجاري إسرائيلي، هذه وسيلة من الوسائل المهمة: قطع العلاقة الاقتصادية أو على الأقل الانفصال اقتصادياً عن الإسرائيليين.
إلى أي مدى هذا الأمر متاح؟ وما الذي يعرقل في وجود استثمارات؟
هذا يعتمد على مدى قدرتنا على الاستثمار في اقتصادنا. بقدر ما تسهل عملية الاستثمار في الصناعات الغذائية للمستثمر المحلي الفلسطيني بقدر ما يمكن الاستغناء عن الحليب الإسرائيلي والخضروات الإسرائيلة... مشكلة القطاع الخاص – وهذه مشكلة في كل العالم- هي أنّ حماية الإنتاج الوطني في عصر العولمة والتحرير التجاري أصبح ضعيفاً بل وممنوعاً حسب منظمة التجارة العالمية. لكن الفلسطينيين غير ملزمين بمنظمة التجارة ويمكنهم فعل ما يريدونه، اتفاقية باريس تُمكّنهم من رفع الجمارك عن كل السلع إن أرادوا. فأحد العوائق هو العقيدة الاقتصادية التي تفترض أنّ تحرير التجارة هو وسيلة الاندماج، بينما في الحالة الفلسطينية يُمكن القول إنّ تقييد التجارة في بعض القطاعات ضروري لبناء قاعدة صناعية مثلاً. الزراعة الفلسطينية يجب أن تُعتبر إرثاً وطنياً كما هي الحال في فرنسا، وهذا قطاع استراتيجي له علاقة بحضارتنا وثقافتنا ورزقنا وأمننا الغذائي. لذا يجب تنشيط الضابطة الجمركية التابعة لوزارة المالية ومن المفروض أن يكون لها دور أكثر فعالية في منع تهريب البضائع الإسرائيلية على أنّها فلسطينية. يقال إن بعض المواد تخرج من الضفة على أساس أنّها فلسطينية بينما هي مصنوعة في المستوطنات. هذه الأمور يمكن ضبطها، ودعونا لا ننسى أنّ المنطق الاقتصادي الحاكم هو أنّ على الدولة الابتعاد عن الاقتصاد أن تضع القوانين ولا تراقب. لكن برأيي في هذه الحالة يجب أن تكون السلطات العامة نشطة في الاستثمار. مثلا، السلطة الفلسطينية تحصل على 900 مليون دولار سنوياً من الدول المانحة لكن غالبية هذه الأموال تضخ في الرواتب، وهذه السياسة بدأت في الـ2001 مع بداية الإنتفاضة الثانية، على افتراض أن الاقتصاد آخذ في الانهيار وأفضل ما يُمكن فعله هو أن تُعطى الأموال للمواطنين فيحرّكون العجلة الاقتصادية. هذا كان ضروريّاً لفترة الانتفاضة، أما اليوم فيجب وضع كلّ الـ900 مليون في الاستثمار الحكومي العام، في المباني والشوارع والمنشآت والمرافق المساندة أو البنية التحتية الاقتصادية. لو كان دور الدّولة في الاقتصاد أكثر نشاطاً فسيحذو القطاع الخاص حذوها لأنّ الدولة حين تغامر فهي تُقدّم حماية لرجال الأعمال في الاستثمار. هناك وسائل إذاً لكن يجب إعادة التفكير وامتلاك الرؤيا.




0 تعليق على موضوع : الحياة اليومية للفلسطينيين -- وهم الدولة الفلسطينية انتهى
الأبتساماتأخفاء الأبتسامات