ظاهرة عرّفت نفسها بالصحوة تضاعف البحث عن الشخصية الإسلامية التراثية التقليدية التي تلتزم بالأوامر والواجبات الدينية وتتجنب النواهي في صورة نمطية غيرت مفهوم رجل الدين في مجتمعنا.
بقلم: علي بن حمد الخشيبان
مع أن تلك المجموعة من الدعاة المنشقين لم يكونوا من إنتاج المؤسسة الدينية التقليدية إلا أنهم استطاعوا أن يكتسبوا شرعية دعوية بطرق خدعت المجتمع الذي كان ينظر إليهم كممثلين للمؤسسة الدينية التقليدية.
خلال العقدين الأخيرين من القرن الميلادي الماضي في ظاهرة عرّفت نفسها "بالصحوة" تضاعف البحث عن الشخصية الإسلامية التراثية التقليدية التي تلتزم بالأوامر والواجبات الدينية وتتجنب النواهي في صورة نمطية غيرت مفهوم رجل الدين في مجتمعنا، من حيث التطبيق والممارسة، هذا النمط من البحث انتشر في محاولة متأصلة لاستغلال الفكرة التي تؤكد ان القضية الدينية تشكل قاع المجتمع ولذلك فإن مسرح التحرك في هذا القاع لن يصدم بالمعوقات الفكرية.
نجح التصور وفق عوامل كثيرة وشاهد المجتمع نماذج من الدعاة حاولت خلق نزعة للتطهر في المجتمع وخلقت هذه المنظومة من الدعاة معركة تم إشعالها بالوقود الأيديولوجي، وعرف المجتمع هذه الرموز وحدد صيغتها الفكرية وخلق لها الاتباع ووثق في أفكارها تحت بند ديني أنتج في قاع المجتمع، ووثق بروابط وأدلة تاريخية وتراثية يصعب بل يستحيل التشكيك فيها، وهذا ما منح تلك المجموعات من الدعاة الوقوف على أرض في قاع المجتمع وليس في ذروته حيث الأفق المجتمعي.
التشكيك في الحداثة انطلق من الخوف القائم على قدرة الحداثة على تشكيل العقول والأفكار والثقافات وأصبحت النزعة التطهرية بين الأفراد تمر عبر الصحوة التي غيرت المجتمع بشكل جذري، حتى أصبح الفرد لا يقرر مصيره إلا من خلال هذه النزعة التطهيرية التي تحكمت في مصير المجتمع الميتافيزيقي حيث الآخرة والحساب والعقاب.
هذه المرحلة الحاسمة أنتجت رموز الدعوة الصحوية الذين شكلوا طبقة حاسمة بين المجتمع ورموزه الدينية التقليدية والدليل على ذلك أن عظم الرموز الدينية في المجتمع لم تكن على وفاق دائم مع هذه الصيغة الدعوية، وهذا يمكن رؤيته في رمزين مهمين في المجتمع (ابن باز، وابن عثيمين).
أدى بروز هذه الأنماط من الدعاة إلى انتشار أيديولوجيا شعبوية أنتجت تنازعا وتجاذبا بين فضاءات المجتمع ذات المرجعية الدينية، الخطورة التي تبناها الدعاة إن تم استغلال الدين للتعبئة الجماهيرية التي استمرت حتى يومنا هذا، وأصبحت الدوافع الواقعية لهؤلاء الدعاة المنشقين ترتكز حول مسارين الأول (المال المقدس والثاني السلطة الموعودة)، لقد أصبح التنافس على الموارد المالية محتدما بين هذه الفئات، وعبر بوابة تطهرية يثق المجتمع بهذه الفئات فيجعلها مصبا للمال المقدس حيث الصدقة والزكاة والدعم، وقد تضخمت تلك الرموز حتى أصبحت تعاني من التخمة المالية.
مارست تلك النماذج الأيديولوجية المنشقة تصفية المجتمع الذي يعرف عمليا أنه يصعب عليه أن يكون حرا كما الأفراد وأصبحت تمارس تأثيراتها بشكل يسهل الإحساس به ولكن يصعب نقده نتيجة تداخله الشديد مع التكوينات الدينية التقليدية في المجتمع، ولعل السؤال المهم يقول بماذا كانت تفكر تلك المجموعات وإلى أي مدى كانت تطلع للوصول إليه في تغيير هيكلة المجتمع؟
كانت طموحات تلك النماذج كبيرة جدا نحو دفع المجتمع إلى تخطي كل معاييره ومقوماته السياسية وصنعت تلك المجموعات من الدعاة المنشقة نماذج صارمة لتوجيه الرأي، والحقيقة أن حجم التماهي والتأييد لمواقف تلك الرموز كان مثيرا للاستغراب، ومع أن تلك المجموعة من الدعاة المنشقين لم يكونوا من إنتاج المؤسسة الدينية التقليدية إلا أنهم استطاعوا أن يكتسبوا شرعية دعوية بطرق خدعت المجتمع الذي كان ينظر إليهم كممثلين للمؤسسة الدينية التقليدية.
بعد ما يقارب أربعة عقود تبدأ اليوم المواجهة الصعبة بين واقع هذه الفئة وبين المجتمع الذي يجب أن يكون أكثر التزاما بالحقائق، فهذه الفئات المنشقة كانت تخطط عبر استخدام المال المقدس لكي تصل إلى طريق السلطة عبر المجتمع ذاته، والدليل أن جميع هذه الرموز التي أتحدث عنها كان لها تاريخ طويل في تأجيج الصراعات، وهنا ليعذرني القارئ عن التوقف ولكني سوف أكتب مستقبلا ما أستطيع للحديث عن الانشقاق الأيديولوجي لهذه النماذج وتأثيرات المال المقدس.
علي بن حمد الخشيبان
نشر في الرياض السعودية




0 تعليق على موضوع : المال المقدس.. ودعاة الأيديولوجيا المنشقة!
الأبتساماتأخفاء الأبتسامات