08 فبراير 2021
يوماً بعد آخر، تُثبت طُغم الحُكم في منطقتنا أهمية وخطورة الذاكرة الجمعية العامة، تتعامل معها كندٍ وعدوٍ جبار، راهن الحضور وشديد الفاعلية والقُدرة، وليس مُجرد هامش ثقافي واجتماعي، أو إرثٍ من الماضي المنسي. فالذاكرة الجمعية، بمؤسساتها والمشتغلين بها، يحتلون مكانة الآخر الدائم بالنسبة لهذه الطُغم، يكشفون هوياتها وأفعالها وأدوارها وتاريخ علاقاتها مع المجتمعات التي تحكمها.
قبل أقل من شهر واحدٍ، كان كاتب هذه السطور، مع مجموعة من الفاعلين الآخرين، على موعد مع الشهيد لقمان سليّم، لينخرط الجميع في عمل توثيقي حول مؤسسة وجهاز "الأمن الأحمر" في مدينة السليمانية بإقليم كردستان العراق. ذلك المكان الواقع في قلب المدنية، والذي شكل مصدر رُعب استثنائي لسكانها طوال عقد السبعينيات والثمانينيات، حيث اُعتقل وعُذب وقُتل الآلاف من سكانها في ذلك المكان، الذي تحول فيما بعد إلى متحف عياني عن شكل الحياة التي كانت يوماً ما.
المركز الأمني الذي تحول إلى متحف مفتوح لكل العابرين، حافظ القائمون الإداريون على كافة الأدوات والشروط والمناخات التي كانت، شكل الغُرف وأدوات التعذيب وتفاصيل العيش داخله، حتى صار المكان تجسيداً وشاهداً على الأحداث المريرة التي كانت طوال عقدين من الزمن، ليصير محرضاً وفاعلاً لتحفيز الذاكرة الجمعية وتشييد سطوتها وحضورها وفاعليتها في الفعل الجمعي والهوية السياسية للمدينة.
عشرات الآلاف من البعثيين الصداميين، من الذين لجؤوا وعاشوا في مدينة السليمانية بعد سنوات من سقوط النظام العراقي، يميلون بأغلبيتهم المطلقة لإنكار أفعال حزب البعث بحق المدينة وسكانها عبر ذلك الجهاز الأمني، وفي أفضل الأحوال يقدمون أشكالاً من التبرير والتفسير لما جرى. لكن متحف "الأمن الأحمر" يظهر كل مرة كشاهد اطلاقي الحضور، يُستحال عدم الاعتراف والقبول بمرويات الضحايا.
فهذا المبنى، ومثل غيره من الشواهد المحفوظة كأرشيف وذاكرة جمعية مضبوطة بمؤسسة وقانون عمومي، إنما يحارب ويضاد ما بقي من طغيان وشمولية، ولو بشكله المستبطن والمُغلف، في وجداني موالي النظام البعثي الصدامي.
متحف "الأمن الأحمر" هو مثال نموذجي لفاعلية الأرشفة وحفظ الذاكرة الجمعية على الحياة اليومية المعاصرة، في مناهضة الشمولية من خلال خلق الوجدان العام.
مثل غيره من المؤرخين/الموثقين الجديين، كان الشهيد سليّم يؤمن من خلال كتاباته ومؤسساته وأعماله في عالم حفظ الذاكرة بهذا التفصيل، يؤكد أن "لعبة الحياة"، بالذات من خلال العلاقة بين السلطات الحاكمة والمجتمعات المحكومة، تنزاح على الدوام لأن يراكم ويعاضد السلطويون من قدراتهم ومؤسساتهم وتبريرهم لأفعال الهيمنة والشمولية والعنف بحق المجتمعات، وأن هذه الأخيرة –المجتمعات- لها وعليها أن تستخدم مختلف الأدوات والإمكانيات للإطاحة بتلك القابلية، وعلى رأسها حفظ وضبط ومأسسة الذاكرة، لتكون حافزاً حيوياً لمراكمة خبراتها وقُدراتها على خلق مضادات نوعية لتلك القابلية والنزوع التي تمتاز بها العلاقات المختلة بين المجتمعات والنُخب الطاغية.
في دورة حياتها المعاصرة، منذ أوائل الخمسينيات من القرن المنصرم، زمن انبلاجها الأول، مرت نُخب الطُغيان السياسي في منطقتنا في أربعة مراحل من مواجهة ومحاربة الذاكرة، انطبق "المنطق الدوركهايمي" عليها جميعا، ففي كل مرحلة كانت ترى في سحق ذاكرة طبقة أو جماعة ما سَحقاً للطبقة والجماعة نفسها، وتالياً تأسيس قابليتها للخضوع لذاكرة وهوية جديدة، توافق متطلبات هذا الطُغمة.
فطوال عقدين كاملين، الخمسينيات والستينيات، عملت هذه السلطات على محو الذاكرة الاجتماعية والثقافية والسياسية التي كانت، ذاكرة ذلك المزيج من البرجوازيات المحلية مع مؤثرات الفترة الاستعمارية، التي حملت ملامح التحديث الاجتماعي/الثقافي النخبوي، مع معطيات واضحة من الديمقراطية والحرية المدنية.
ذاكرة المرحلة التي كانت تقول أمرين مركبين، يذهب الأول للإصرار على أن شكلاً آخر من الحياة ممكن، أقل قسوة وأكثر رهافة. أما الثانية فقد كانت حول تشييد علاقة أقل صدامية مع الغرب، بموقعه وطاقته وأدواتهم في الحداثة الإنسانية. وكِلا الأمرين كان مضاداً نوعياً لترتيبات واستراتيجية الطغمة الانقلابية العسكرية الحاكمة.
في مرحلة لاحقة، منذ أواسط الستينيات وحتى أواخر ثمانينيات القرن المنصرم، نُخب الطغيان مولت آلاف الأجهزة الدعائية والتنظيمية والسياسية والاقتصادية والتربوية لتكريس ذاكرة بديلة، متمركزة حول "القائد الأب"، التي تريد للفضاء العام أن يكون مجرد عشيرة كُبرى، مجتمعاً مؤلفاً من ملايين الرعايا، الفاقدين لأي نوازع نحو مواطنة متساوية، مع القائد وحلقاته الضيقة بالذات. تلك الذاكرة المصطنعة غرست أظافرها في الأغاني والأناشيد والتماثيل والنُكات والإعلام والدروس التربوية...الخ من حقول الحياة الجمعية.
أثناء تلكم المرحلتين، كانت المؤسسات العسكرية والأجهزة الأمنية للأنظمة والقوى السياسية ترتكب فظائع مريعة بحق مجتمعاتها، تحارب كل ما يرصد ويؤرشف ويضبط كل تلك الأفعال. الأجهزة العنيفة تلك، كانت تعتبر أفعالها جزءاً تكميلياً من الفعل الأساسي لمحق المجتمعات، لأن الأرشفة والضبط كانت بمعنى ما تهديداً مفتوحاً للفاعلين وتراث أفعالهم، لا يندمل مع الزمن.
لغير صدفة، فإن مجموع الفاعلين والمنتجين المعرفيين للذاكرة الجمعية، من كُتاب وسينمائيين وموسيقيين وإعلاميين، من مؤسسات ودور نشر وشركات إنتاجية...الخ، كانوا جزءاً حيوياً من الطبقات النضالية، التي حملت على عاتقها قيم وأدوات المطالبة بالحريات العامة والديمقراطية واحترام حقوق الإنسان والسلام الاجتماعي، اعتباراً من أوائل الألفية الجديدة على الأقل.
رستم محمود




0 تعليق على موضوع : اغتيال الذاكرة // بقلم : رستم محمود
الأبتساماتأخفاء الأبتسامات