أحزنني ما سمعت، وظننت أنه شأن عراقي خاص، لكنه تكرر لاحقا وبنسب مختلفة، مع أصدقاء من دول مثل سوريا والسودان ولبنان ومصر وليبيا والأردن والسعودية وغيرهم، عبّر كل واحد منهم، ليس عن خشيته وتحاشي الاحتكاك مع أبناء بلده فقط، بل توجسه وخشيته، المشوبتان ببعض الكراهية المستترة للجاليات العربية الأخرى.
رغم أن معظمهم هرب من الاستبداد إلى بلاد توفر الحريات للجميع، نشطت فئات منهم في إعادة هيكلة وممارسة هذا الاستبداد ضد أبناء قومها
في الثلث الثالث من القرن العشرين، حدثت موجات هجرة عربية كثيرة لأسباب سياسية، تقدمها الهرب من الديكتاتوريات الحاكمة التي قيدت حرية الرأي والتعبير، ولاحقت، بل نكّلت بكل فكرٍ معارض. أو لأسباب اقتصادية جرب أصحابها البحث عن مستقبل أفضل لأسرهم، ضمن بيئات آمنة وميسرة وتحترم القوانين وكرامة الإنسان. أو لأجل التحصيل العلمي في الجامعات الغربية، والنسبة الأكبر من هؤلاء استقروا، ولم يفكروا بالعودة إلى حضن الوطن.
نقل المغتربون معهم تراكم مخاوفهم وهواجسهم، ونقل الفاسدون بينهم ما زرعته الأنظمة الديكتاتورية، السياسية والدينية والاجتماعية، من ثقافة الكراهية للآخر والتوجس منه، أو ما غذّته في دواخلهم من حس أمني واستخباراتي، تحت مسميات وشعارات مختلفة.
ورغم أن معظمهم هرب من الاستبداد إلى بلاد توفر الحريات للجميع، نشطت فئات منهم في إعادة هيكلة وممارسة هذا الاستبداد ضد أبناء قومها، ومراقبتهم وتقديم التقارير فيهم، كأن يفتن بعضهم ضد من انخرطوا في طبيعة الحياة الغربية أو "ملذاتها الكافرة"، أو لا يمارسون الشعائر الدينية في بيوتهم، أو لا يذهبون إلى أماكن العبادة كما هو مطلوب، أو ضد الزنادقة الذين يجاهرون بعلمانيتهم.
وعلى عكس ما تقدمه سفارات الدول الغربية من تسهيلات ودعم لمواطنيها في الخارج وتقديم الحماية الكاملة لهم في مواجهة أية مخاطر يتعرضون لها، لعبت سفارات بعض الدول العربية، الدور الأكبر في زرع الشقاق، واستغلال الحاجات المادية لبعض المغتربين، ونشطت بشكل خاص ومؤسف بين أوساط الطلاب.
وتحت مسميات الولاء للوطن الأم، وملاحقة أعدائه أينما وجدوا، زُرع العديد من المخبرين المأجورين لأجل مهام التجسس على نشاطات أبناء الجالية وأفكارهم، ولم يكن مستغربا أن تسمع أن أحد المغتربين تم اعتقاله حال عودته إلى وطنه في زيارة، بسبب انتقاد عابر وجهه في حفل ما، أو رأي معارض أدلى به في جلسة مقهى، أو لأي لسبب كيدي يقرره كاتب التقرير.
في البلدان العربية الأخرى، أو في بلدان دول الخليج التي شهدت موجات اغتراب كبيرة، لم يختلف وضع الجاليات كثيرا فيما يخص خشية أبناء كل جالية من بعضهم، أو الخشية وتجنب الجاليات الأخرى، مع الاحساس بنبرة الكراهيات المستترة المتبادلة.
لكن الوضع في هذه الدول بدا أكثر مأساوية، حيث نشط المخبرون في اتجاهين كعملاء مزدوجين، مرة في تقديم تقرير أمني للدولة الأم، ومرة في تقديم تقرير كيدي ضد أحدهم للدولة المضيفة، وهي دول في المجمل، لا تفسح المجال للحريات الرئيسة، ولا تتمتع برحابة الصدر لتقبل انتقادات موجهة ضدها، لا من أبنائها ولا من ضيوفها، وإن لم تسجن ضيفها العزيز المغترب وتؤدبه شر تأديب، تعاقبه بالترحيل بأول طائرة، دون تردد.
كل ما يحدث في الدول الأم من مشاكل أو صراعات مع الآخرين، كان وما يزال، يشهد انعكاسا حادا وسريعا على الجاليات في المغتربات، فإن توترت الأجواء السياسية بين مصر وليبيا، شدّت الجاليتان شعر بعضهما في كل احتكاك، وإن خسر المنتخب الكويتي أمام نظيره الجزائري في مباراة لكرة القدم، دفع الجزائريون ثمن "الأهداف" جماعيا وكأنهم مسؤولون عن ركلها.
صحيح أن الحذر قائم بين أبناء الجالية أو ضد الجاليات الأخرى، لكنهم ينسونه في مواجهة بعض التحديات والمخاطر، الدينية بشكل خاص، أو يؤجلونه لبعض الوقت، ويتوحدون في مواجهة الآخر، على مبدأ "أنا وأخي ضد ابن عمي، وأنا وابن عمي ضد الغريب".
في العقدين الفائتين من الألفية الجديدة، حدثت موجات هجرة ولجوء مختلفة الأسباب لا يتسع المجال للإسهاب فيها، لكن جوهر الأمور لم يتغير في علاقة أبناء الجنسية الواحدة ببعضهم أو بالآخر، ونشط المخبرون بشكل أكبر تحت صفتي موالٍ أو معارض، ولم تعد التقارير الأمنية الضدية توجه للوطن الأم فقط، بل نشأت تقارير كيدية حديثة تقدم لدول اللجوء الغربية المستضيفة، أو للمنظمات غير الحكومية التي تقدم المنح والدعم والفرص الذهبية.
كل ما يحدث في الدول الأم من مشاكل أو صراعات مع الآخرين، كان وما يزال، يشهد انعكاسا حادا وسريعا على الجاليات في المغتربات
في الخلاصة، لم تنجح أية جالية عربية منفردة، أو مجتمعة مع الآخرين، في تشكيل لوبي عربي حقيقي في الخارج كما هو مأمول، ولم تحقق واحدة منهم منفردة أو مجتمعة، إنجازات إنسانية وعلمية وحضارية ذات جهود جماعية إضافية. ومعظم ما نسمعه عن قصص النجاح، لأي عربي من أية جنسية كانت، إنما هي تراكمات لإنجازات فردية، اجتهد أصحابها على العمل والنجاح وفقا لفطنتهم، والمنهجية العلمية التي اتبعوها، وفهمهم للقوانين والدروب المتاحة لهم.
ربما كان حال الجاليات العربية هو ذاته منذ بدء موجات الهجرة قبل قرون، وقد سبق لأبي خليل القباني، رائد المسرح السوري، أن تحدث عن "فسافيس السلطان" الذين كتبوا فيه تقارير أمنية بسبب رحلته إلى شيكاغو قبل أكثر من قرن، ولأن مبدأ التاريخ تكرار نفسه، ليس مستغربا أن يكون لكل زمان ومكان " فسافيسه الجدد"، الخادمون بأمانة وإخلاص وورع، لأحد سلاطين الاستبداد السياسي أو الديني أو الاجتماعي.




0 تعليق على موضوع : "فسافيس" الاستبداد // بقلم : كوليت بهنا
الأبتساماتأخفاء الأبتسامات