شبكة الدانة نيوز -- المقالات  شبكة الدانة نيوز -- المقالات



random

آخر الأخبار

random

جاري التحميل ...

ضحايا (التدين) غير الصحيح // بقلم : حسين الرواشدة



تشغلني - منذ زمن بعيد - قضية الالتباس بين الدين، فقهه ونصوصه وتعاليمه ومقاصده، وبين التدين، بأنماطه وصوره ومجالاته في الواقع، ومصدر خشيتي من هذا الالتباس ما يجري من مطابقة ومشابهة بين التدين والدين، لدرجة ان بعضنا قد يتصور بأن ممارسة الناس لدينهم، سواء كانت منقوصة او معكوسة، هي الدين ذاته، مما يرتب على هذا التصور تحميل الدين مسؤولية أخطاء معتنقيه، او - ربما - اصدار الحكم عليه تبعاً لنماذج تطبيقه من قبل المتدينين سواء في تصوراتهم او سلوكهم العام. 

لم يعد - بالطبع - شعار (الدين هو الحل) مقتصراً على عالمنا الاسلامي فقط، ففي الغرب الآن طلب متزايد على الدين، لكن الشعار وحده لا يكفي، بل ان فقه الدين وحده ليس بكافْ ايضاً في تحقيق الغاية التي من أجلها نزل، وانما نحتاج الى فقه (التدين) لتكييف حياتنا في الاتجاه الذي يقرره الدين، وهذا الفقه نتاج بشري قد يتغير باستمرار، وقد نختلف فيه، وهو - بالتالي - يقدم لنا اكثر من صورة (للدين)، احياناً تكون صحيحة واحياناً مغلوطة، فيما يبقى معيار الحكم هو الدين ذاته، لا التدين، على اعتبار ان معرفة الوحي تمنحنا الدين ومعرفة العقل تمنحنا التدين، وهذا الاخير مجرد جهاز لانجاز الدين، واداة لقياس مدى فهمنا له والتزامنا به.

الدين لم ينسحب من حياتنا - كما يتصور البعض - فهو ثابت ومحفوظ، والاقبال عليه في ازدياد، وعطالتنا الحضارية لا علاقة لها بتراجعنا عن الدين، ولكن المشكلة الاساسية تكمن في (التدين)، هذا الذي انحرف بعيداً عن قيم الدين ومقاصده، فتعددت صوره السلبية وانماطه غير الصحيحة، وتحول من (راشد) الى فاسد، ومن باعث للحركة الى مستهلك لها، ومن استثمار في الارض، عمراناً ودوراناً، الى عبء ثقيل عليها، ومن مصدر للهداية الى طريق للتيه والشقاء.

نحن اليوم - للاسف - ضحايا (للتدين) غير الصحيح، هذا الذي افرزته عصور الجهل والانغلاق، وانتجته فوضى الفتاوى وانحرافات بعض الدعاة الذين لا يفهمون الدين على حقيقته، هؤلاء التبست لديهم صور التدين مع نصوص الدين، فأخطأوا في التمييز بين القيم والنصوص وبين القواعد والاجتهادات، لدرجة اعتقدوا ان ما انتهت اليه افهامهم من قناعات هي الدين ذاته، معياراً وقيمة وحكماً، واتخذوا من ذلك ذريعة لتكفير غيرهم، او تحليل سفك دمائهم، او العبث بالاحكام والنواميس، بما لا يمكن للدين ان يقره او للعقل ان يقبله.

ان اخطر ما يمكن ان نتصوره هو انقلاب التدين الى دين، او المتدينين الى موقّعين عن الله تعالى فيما يخص عباده، في علاقتهم معه تعالى او مع اخوانهم في الارض، فعلاقتهم هذه مع خالقهم لا يقررها احد من البشر، ان علاقتهم مع غيرهم فمعيار الحكم عليها الدين، وفق فهمهم له، واستطاعتهم لتمثله، واجتهادهم في انزاله على واقعهم وتطبيقهم له.

صحيح انه لا صلاح لآخر هذه الامة - كما يقول فقهاؤنا - الا بما صلح به اولها، وصحيح ايضا ان الدين مطلب انساني وفطري، وهو باعث حضارتنا الاول، لكن الصحيح ايضا ان المشكلة التي تعوق كل ذلك هي ما انتجناه من صور وانماط اختزلت في (التدين).. سواء كان استهلاكياً او منقوصاً او محروساً او مغشوشاً او منفوشاً او غير ذلك مما طفا على ساحتنا من انماط تصور اصحابها انهم ملكوا زمام الدين.. وهم أبعد ما يكونون عنه.

ترى.. هل نحتاج الى فقه جديد (للتدين) يردم الفجوة بين ما جاء به الدين السمح، وبين ما انتهى اليه (تديننا) من احوال واشكال.. هذا ما نرجوه وندعو اليه

كاتب الموضوع

yasmin alqasem

0 تعليق على موضوع : ضحايا (التدين) غير الصحيح // بقلم : حسين الرواشدة

  • اضافة تعليق

  • الأبتساماتأخفاء الأبتسامات

    https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEhtNRmjx_UlCfdrZ46drcpO38rFltEv-Cic1BDDlTbrEu_jYvybafnAcAgh_xQvY9eA58T4vZPR2po6XgGqfsGzUP3MaOPekpsryhi2oh78x_lzyqOtZzTifUfUJYgNkUlu1Ku-A4epcUo/s1600/%25D8%25A7%25D9%2584%25D9%2584%25D9%2588%25D8%25BA%25D9%2588+%25D8%25A7%25D9%2584%25D8%25AC%25D8%25AF%25D9%258A%25D8%25AF+%25D9%2582%25D8%25B3%25D8%25A7%25D8%25B3+200+%25D9%2581%25D9%258A+250.gif





    إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

    إتصل بنا

    فن تشكيلي

    فن تشكيلي
    لوحة مختارة من جاليري سفن تايمز

    مشاركة مميزة

    تأثير موجة الإرهابيين الأجانب على الأمن القومي المصري

    بقلم : د. إيمان رجب * مع استمرار العمليات العسكرية ضد تنظيم داعش في العراق وسوريا، تتزايد مناقشة مصير الإرهابيين الأجانب الذين سيخرجون ...

    الفلسفة والفلاسفة

    ابحث في الموقع عن المواضيع المنشورة

    جميع الحقوق محفوظة لـ

    شبكة الدانة نيوز -- المقالات

    2017