الخمريّات..
كتب : حسين محمد الخرشه
لقد عمّ الرخاء بغداد واستقرّت أحوال أهلها وأخذ الناس حظًّا وافراً من اللهو والشراب ،وكذلك الترف الذي وفّره الخلفاء للشعراء جعل هؤلاء يعكفون على اللذائذ، وكانت الحانات والأديرة قد انتشرت في بغداد ، ذلك كلّه وغيره ساعد على وصول موجة الخمريّات الى أبعد غاياتها في هذا العصر .
والخمريات فن شعري ليس بجديد على الشعراء العباسيين ، فهو قديم بدأ بشعراء ما قبل الاسلام من مثل ( الأعشى) واستمّر مع شعراء الاسلام من مثل ( أبي محجن الثقفي ) ، ثمّ حمل لواءه في العصر الأُموي ( الاخطل ) ثم ( الوليد بن يزيد) الذي كان بسبب نزعته الآثمة وافتتانه بالخمريات قد مهد كثيراً ( لأبي نواس) وأضرابه في عصبة المجّان في العصر العبّاسي ، علما أنّ أبا نواس الذي بالغ في وصفها وصار شاعرها الأول قد تأثّر في شاعر آخر من مخضرمي الدولتين هو ( أبو الهندي ) الذي يقول عنه (الأصفهاني): إنّ أبا الهندي أوّل من وصف الخمرة من شعراء الاسلام فجعل وصفها وكده وقصده .
إنّ أوّل ما يلقانا من مظاهر التجديد في الخمريات في العصر العباسي هو أنّهم أكثروا فيها اكثاراً يبعث على الدهشة والعجب ، فمن ناحية الشكل فقد أسهبوا فيها وأفاضوا وأطنبوا ، ومنهم من قصر شعره أوكاد عليها مثل ( أبي نواس ) الذي تربو خمرياته وحده على خمريات العصور السابقة . وفضلاً عن الاكثار منها فقد راح الشعراء يتوسعون في صفاتها ويتغنون بأسمائها ويدعون الى معاقرتها ويتفننون في نعوتها وفي تشبيهاتها ويذكرون صفاتها وندماءها ، أمّا من ناحية المضمون فقد افتتنوا في وصفها والحديث عن دقائقها ، فهذا أبو نواس يفلسف الوصف ويبدع في التصوير ويجعل الخمرة شقيقة روحه ويضفي عليها الحياة ويجعلها كائناً حيّا ، وكذلك لا حياة – برأيه – سوى حياة الخمر والمجون في بيوت القبان وفي الحانات ، ومن ثم مضى يدعو في خمرياته دعوة واسعة الى العدول عن وصف الأطلال الى وصف الخمر والمتاع بما يقترن بها من غناء وسقاة ، ومن ذلك قوله :
لاتبك ليلى ولا تطـرب الى هنـد
واشرب على الورد من حمراء كالورد
كأساً اذا انحدرت في حلق شاربها
أجدتـه حمـرتها فـي العين والخدّ
فالخمـر ياقوتـة والكأس لؤلؤة
فـي كـفّ جـارية مـمشوقة القدّ
تسقيك من يدها خمراً ومن فمها
خمـرا فمـالك مـن سكرين من بدّ
لـي نشـوتان وللندمان واحدة
شـيء خصصـت بـه دونهم وحدي
ومن معالم التجديد في شعر الخمريات أنّها استقلّت بالقصيدة ، إذ أصبح القول فيها باباً من أبواب الشعر وغرضاً قائماً بنفسه، وقد تستهلّ به المطالع بعد أن كانت تستهلّ بالأطلال والبكاء على الديار ، أي انّها راحت تحلّ محلّ النسيب.
لقد أصبحت الخمرة في العصر العباسي مصدر إلهام للشعراء وصارت طريقاً للتعبير عن مشاعر الشعراء أنفسهم وكان شعورهم فيها قد تحوّل من حيث اتجاهه الى الذاتية ومن حيث أصبح حاجة حضارية تستكمل بها أسباب المتعة بعد أن كان وصفها يعنى بالأمور العامة أكثر من عنايته بالمشاعر الذاتية .
ونشأت عن شعر الخمرة فنون جديدة مثل وصف مجالس الخمر وكذلك نشأ عنه الغزل بالمذكر.
الزهد والتصوّف
ليس الزهد والتصوّف بظاهرة جديدة ولا طارئة على هذا العصر ، فقد كثر الزهّاد في العصر الاسلامي ، وقد كانت الخطب الدينية كذلك في العصر الأموي فيها القصص الوعظية وبالذات عند الحسن البصري ، ولكن الجديد حقّا هو ظهورها وبروزها في الشعر على فن شكل أدبي مستقلّ .
انّ هذا الاتجاه جاء بوصفه ردّ فعل أوتيّار مضاد يواجه الزندقة والمجون والعبث والفساد والاباحيّة ويسعى لإصلاح النفوس المريضة ،وهذا أمر طبيعي من غير أيّ تطرّف ، ففي الوقت الذي وجدنا فيه حانات بغداد تكتضّ بمرتاديها وجدنا مساجدها تكتضّ أيضاً بالفقهاء والزهّاد والعبّاد .
إنّ الذي شجّع على بروز هذه الظاهرة هو كثرة الوعّاظ والزهّاد الذين كانوا ينشدون في وعظهم وقصصهم أبياتاً شعريّة على نحو مانجده عند ( صالح المرّي القاص ) و ( مالك بن دينار ) المحدّث الناسك الذي كان كثيراً ما يتحدّث في مجالسه عن الموت ،حتّى لتكاد تخنقه العبرات ، و له أشعار مختلفة يتحدّث فيها عن القبور وأهلها وأنّه أجل محدود ونفس معدود ، على شاكلة قوله:
أتيت القبور فناديتهن
أين المعظّم والمحتقـر
وأين المدلّ بسلطـانـه
وأين المزكّى اذا ما افتخر
تفانوا جميعاً فما مخبر
وماتوا جميعاً ومات الخبر
تروح وتغدو بنات الثّرى
فتمحو محاسن تلك الصور
فيا سائلي عن أناس مضوا
أما لك فيما ترى معتبر
وكذلك كان ( سفيان الثوري ) ، ودفع هذا الشعراء على إنشاء مواعظ تدعو الى العمل الصالح وتجعل الناس يرفضون متاع الحياة الدنيا ويعكفون على عبادة الله.
وقد أقبل كثير من الشعراء على الزهد فشغل مساحات واسعة من شعرهم مثل ( عبد الله بن المبارك ) الذي اشتهر شهرة مدّوية في زهده ونصحه ، ومثل ( محمد بن كناسة ) الذي أوقف شعره على رياضة النفس والابتعاد عن الهوى ، ومثل ( محمود الورّاق ) الذي قلّ أن نجد في العصر شاعراً واعظا مذكّراً مثله.
وشاع هذا النظم وكثر التظّامون فيه وتجاوز الأمر الى شعراء المجون ، فقد مالوا اليه ونظموا فيه ، ذلك أنّ منهم من تاب الى نفسه وأقلع عن غيّه الى الأبد ، على نحو ما نرى عند ( محمد بن حازم الباهلي ) ، ومنهم من راح يتذبذب بين هذا وذاك مثل ( أبي نواس ).
وقد استفاض الزهد في العصر العباسي وبرز فيه شعراء انفردوا به مثل ( أبي العتاهية ) الذي يعدُّ أشهرهم ، فما قاله في الزهد يؤلف وحده ديواناً كاملاً .
وكانت زهديات هذا العصر لاتخلو من عظات بالغة لبعض الشعراء الماجنين الذين تابوا بعد صحبة الضلالة في أُخريات حياتهم ، فراح أبو نواس يكثر من التضرّع الى الله تعالى طالباً العفو والمغفرة على شاكلة قوله:
ياربِّ إن عظمت ذنوبي كثرة
فلقد علمت بأن عفوك أعظم
أدعوك ربّ كما أمرت تضرّعا
فاذا رددت يدي فمن ذا يرحم
مـالي إليك وسيلة إلّا الرجا
وجميـل عفوك ثم أنّي مسلم
وبلغ شعر الزهد من الشيوع درجة كبيرة فنظم فيه كثير من الشعراء الذين تفيض دواوينهم بالخمرة والمجون أوتطفح بالترف والنعيم مثل ( ابن المعتز) و ( ابن الرومي )
أمّا التصوّف فهو نزعة تتخذ من المجاهدة والرياضة الروحيّة وتتجاوز الظاهر وتتعمّق الباطن ، في حين كان الزهد اتجاها سلوكيّا ينطوي على التقشّف والاعراض عن الدنيا بالتزام العبادات وادائها كاملة لبلوغ الجنّة والنجاة من النار ، نقول إنّ موجة الزهد الحادّة في العصر العباسي هي التي أدّت الى ولادة التصوّف الذي استقلّ عن الزهد استقلالاً تامّاً ، والتصوّف تجربة روحيّة يخوضها الانسان مع نفسه ابتغاء الوصول الى الله سبحانه وتعالى ، ومضى أصحابه يتحدّثون عن الحبّ الإلهي ومقاماته وأحواله، وكانوا يأخذون أنفسهم بمجاهدات عنيفة في التقشف والنسك مع الانقطاع عن الدنيا والخلوص التام للمحبّة الإلهية والنشوة بها الى درجة الفناء في الذات العلية ، ولهم أشعار كثيرة يصوّرون بها هذا العشق وما دلع في قلوبهم من لوعة لايمكن إطفاؤها ، لوعة حبّ قوي حار ، استأثر بكل ما في قلوبهم من عواطف ومشاعر ، وشغلهم عن كلّ شيء ، إذ شغفوا بمحبوبهم شغفا عظيما ، بل لقد تحوّل هذا الشغف عقيدة جمعوا فيها بين محبة الله وبين تقديسه وعبادته ، آملين منه الوصول وأن يرفع ما بينه وبينهم من حجب ،
وفي كلّ مكان يلقانا كثيرون يفرغون للنسك والتبتّل والعبادة ، مما دفع لظهور مقدمات التصوّف في هذا العصر أوبعبارة أخرى الى ظهور الحبّ الإلهي يتجرّد عن كلّ مادّة وحسّ والذي يستغرق فيه المتصوّفة مشغوفين بالحقيقة الإلهية ، وما ترسله على الكون من أضواء الحقّ والخير والجمال المطلق ، ومن أروع مايصوّر ذلك أبيات ( رابعة العدويّة ) المشهورة :
أحبـّك حبّين: حبّ الهوى
وحبًّـا لأنّـك أهـل الذاكـا
فأمّا الذي هو حبّ الهوى
فشغلي بذكرك عمّن سواكا
وأمـّا الـذي أنت أهل له
فكشفك لي الحجب حتى أراكا
فلا الحمد في ذا ولا ذاك لي
ولكن لك الحمدُ في ذا وذاكا
وتلقانا عند الأب الحقيقي للتصوّف (ذي النون المصري) فكرة أنّ سبيل رؤية الله هو الخلوة والذكر الممتزج بالحبّ ورؤية الله تتم بالقلب عن طريق الحبّ ، ويخلفه ( أبو يزيد البسطامي ) فيذيع فكرة الفناء في الذات الإلهية ، أي تجرّد النفس عن رغباتها وقمعها لشهواتها وانمحاء ارادتها في الذات الإلهية ، ومن المتصوفة أيضاً ( الجنيد البغدادي ) ( ت 257 هـ ) الذي يكثر من العبارات والشطحات الموهمة في مواعظه ، وكان يعاصره أيضاً ( أبو الحسن النوري ) الذي يكثر في أشعاره من التعبير عن الحبّ الإلهي وفكرة الفناء في الذات العلية ، ومنهم ( أبو الحسين سحنون الخوّاص ) ، وله شعر كثير في المحبّة الربّانيّة وما يصحبها من وجد لايماثله وجد ، وكذلك في فكرة الفناء المطلق في اللّه ، ومن متصوفة بغداد ( السّريّ السّقطيّ) (ت 251 هـ ) الذي بالغ في رياضة النفس ومجاهدتها ،ومنهـم ( الحسين بن منصور الحلاّج) (ت 309 هـ) تلميذ ( الجنيد ) وكان مثالا للمتصوّف المتقشّف ، و ( أبو بكّر الشبلي ) ( ت 334 هـ ) .
ومن أمثلة الاتّّحاد في الذات الإلهيّة قول الحلاّج:
أنا من أهوى ومن أهوى أنـا
نحـن روحـان حللنـا بدنـا
نحن مذكنّا على عهد الهـوى
تضرب الأمثال في الناس بنـا
فـإذا أبصـرتنـي أبصرتـه
وإذا أبصـرتـه أبصـرتنــا
أيّهـا السائـل عـن قصّتنـا
لـو ترانـا لـم تفـرّق بيتنا
هو روحه روحي وروحي روحه
مـن رأى روحيـن حلت بدنا
واتّخذ المتصوّفة في أشعارهم رموزاً منها المرأة والخمرة ، فقد شغلا حيّزا واسعا في أشعارهم ، والملاحظة البارزة في أشعارهم أنّهم يؤثرون الإشارة على العبارة ، أي لايعمدون الى التصريح ويكتفون بالتلميح في محاولة منهم لستر الحقائق وكتمان الأسرار .
ولابدّ من التنويه على أنّ فريقا من المتصوّفة انحرفوا عن الصواب ودخلوا في الأوهام والخرافات والأساطير ، وهذا الأمر جعل غير واحد من علماء الدين ورجال الشريعة يتصدّى للردّ عليهم مظهرا أخطاءهم ، مفنداً لأقوالهم على نحـو مـا صنـع الإمام ( الغـزالي ) ( ت505 هـ) ،و( ابن الجوزي ) (ت 597هـ).
أحبـّك حبّين: حبّ الهوى
وحبًّـا لأنّـك أهـل الذاكـا
فأمّا الذي هو حبّ الهوى
فشغلي بذكرك عمّن سواكا
وأمـّا الـذي أنت أهل له
فكشفك لي الحجب حتى أراكا
فلا الحمد في ذا ولا ذاك لي
ولكن لك الحمدُ في ذا وذاكا
وتلقانا عند الأب الحقيقي للتصوّف (ذي النون المصري) فكرة أنّ سبيل رؤية الله هو الخلوة والذكر الممتزج بالحبّ ورؤية الله تتم بالقلب عن طريق الحبّ ، ويخلفه ( أبو يزيد البسطامي ) فيذيع فكرة الفناء في الذات الإلهية ، أي تجرّد النفس عن رغباتها وقمعها لشهواتها وانمحاء ارادتها في الذات الإلهية ، ومن المتصوفة أيضاً ( الجنيد البغدادي ) ( ت 257 هـ ) الذي يكثر من العبارات والشطحات الموهمة في مواعظه ، وكان يعاصره أيضاً ( أبو الحسن النوري ) الذي يكثر في أشعاره من التعبير عن الحبّ الإلهي وفكرة الفناء في الذات العلية ، ومنهم ( أبو الحسين سحنون الخوّاص ) ، وله شعر كثير في المحبّة الربّانيّة وما يصحبها من وجد لايماثله وجد ، وكذلك في فكرة الفناء المطلق في اللّه ، ومن متصوفة بغداد ( السّريّ السّقطيّ) (ت 251 هـ ) الذي بالغ في رياضة النفس ومجاهدتها ،ومنهـم ( الحسين بن منصور الحلاّج) (ت 309 هـ) تلميذ ( الجنيد ) وكان مثالا للمتصوّف المتقشّف ، و ( أبو بكّر الشبلي ) ( ت 334 هـ ) .
ومن أمثلة الاتّّحاد في الذات الإلهيّة قول الحلاّج:
أنا من أهوى ومن أهوى أنـا
نحـن روحـان حللنـا بدنـا
نحن مذكنّا على عهد الهـوى
تضرب الأمثال في الناس بنـا
فـإذا أبصـرتنـي أبصرتـه
وإذا أبصـرتـه أبصـرتنــا
أيّهـا السائـل عـن قصّتنـا
لـو ترانـا لـم تفـرّق بيتنا
هو روحه روحي وروحي روحه
مـن رأى روحيـن حلت بدنا
واتّخذ المتصوّفة في أشعارهم رموزاً منها المرأة والخمرة ، فقد شغلا حيّزا واسعا في أشعارهم ، والملاحظة البارزة في أشعارهم أنّهم يؤثرون الإشارة على العبارة ، أي لايعمدون الى التصريح ويكتفون بالتلميح في محاولة منهم لستر الحقائق وكتمان الأسرار .
ولابدّ من التنويه على أنّ فريقا من المتصوّفة انحرفوا عن الصواب ودخلوا في الأوهام والخرافات والأساطير ، وهذا الأمر جعل غير واحد من علماء الدين ورجال الشريعة يتصدّى للردّ عليهم مظهرا أخطاءهم ، مفنداً لأقوالهم على نحـو مـا صنـع الإمام ( الغـزالي ) ( ت505 هـ) ،و( ابن الجوزي ) (ت 597هـ).




0 تعليق على موضوع : الخمريّات..
الأبتساماتأخفاء الأبتسامات