منذ نشأت فكرة العروبة في نهايات القرن التاسع عشر والدعوة لها من خلال جمعيات ومنتديات وصحف تتحدث عنها وتروج لها، أصبحت العروبة رابطة تجمع العرب في مواجهة الحكم العثماني على أساس أن ما يجمع بين العرب على اختلاف أديانهم وأصولهم البعيدة ويميزهم عن الأتراك العثمانيين هو اللغة العربية.
ولقد تصادمت الفكرة العربية مع أفكار أخرى إقليمية أو عنصرية أو أممية تبلورت في كل بلاد العرب حسب مقتضى الحال ليس هنا مجال مناقشتها. لكن الفكرة العربية انتصرت في النهاية بإنشاء الجامعة العربية (مارس 1945)، وتراجعت أمامها الأفكار الأخرى.
غير أن الجامعة العربية بسبب ميثاقها المعتل وغير الحاسم لم تتطور بالعرب إلى إنشاء وحدة سياسية اتحادية أو وحدوية بأي درجة من الدرجات، بل لقد أخفقت في إنشاء سوق عربية مشتركة على شاكلة السوق الأوروبية. وعندما تمت الوحدة بين مصر وسوريا باسم “الجمهورية العربية المتحدة” (22 فبراير 1958) تعرضت لمحاولة إفشالها حتى قبل أن تتم بسبب التنافس على الزعامة، أو بسبب تحريض القوى الغربية ضد إتمامها وهي محاولات قائمة منذ عام 1908 طبقا لتقرير كامبل بنرمان رئيس الحكومة البريطانية الذي ينتهي بالقول بأنه إذا أرادت بريطانيا أن تحافظ على مصالحها ومصالح أوروبا يتعين الإبقاء على التجزئة العربية القائمة وعلى التخلف الاقتصادي ضمانا للتبعية.
وعندما انفصلت الوحدة بين مصر وسوريا (26 سبتمبر 1961) لم يتراجع عبد الناصر عن فكرة الوحدة. وفي هذا قال: ليس من المهم أن تبقى الجمهورية العربية (أي الوحدة) ولكن من المهم أن تبقى سوريا. وقام بترتيب خطوات الوحدة العربية بشعار: “حرية اشتراكية وحدة”، ومعناه أن النظام الاقتصادي الواحد (الاشتراكية من أجل العدالة الاجتماعية وليس الرأسمالية) من شأنه أن يؤدي إلى الوحدة السياسية بالتدريج بأي شكل من الأشكال. وفي هذا قال إن وحدة الهدف تؤدي إلى وحدة السياسة، وليس شرطا أن ينضم العرب في دولة سياسية واحدة.
وهذا المنهج يؤكده التطور السياسي لدول أوروبا، فرغم أن أوروبا تتكلم عدة لغات وليست لغة واحدة بحيث نقول “القومية الأوروبية”، إلا أن نظمها الاقتصادية الواحدة جعلت مصالحها السياسية واحدة دون الدخول في وحدة سياسية، ونجد هذا واضحا في الموقف السياسي الواحد لهذه الدول في الأمم المتحدة على سبيل المثال.
ورغم كل هذا إلا أن العرب يرفضون “التوحد” بأي درجة من الدرجات حتى في إقامة سوق عربية مشتركة وأقصى ما يمكن أن يقدموه في هذا الخصوص إقامة مشروعات عربية مشتركة كلها تدور في إطار انتاج السلع الاستهلاكية. وأكثر من هذا أن أغنياء العرب يفضلون وضع أموالهم في البنوك الأوروبية-الأمريكية وليس في مشروعات تنموية في أي بلد عربي، ويفضلون الاستيراد على الإنتاج.
ويبدو واضحا من ظاهر الأحداث أن النظام العالمي الجديد بزعامة الولايات المتحدة الأمريكية وراء الإبقاء على حالة التجزئة العربية وحالة التخلف الاقتصادي انطلاقا من تقرير كامبل بنرمان كما سبقت الإشارة، ودليلنا في هذا أن ثورات الربيع العربي التي رفعت شعار الحرية والعدالة والكرامة أسقطت شعار العروبة، وتبنت “حكومات الثورة” سياسات إحياء “الأمة الإسلامية”، وأكثر من هذا أن بعض دول العروبة تحالفت مع حلف الأطلنطي (الناتو) وتدخلت في ليبيا وسوريا بالمخالفة للمادة الثامنة من ميثاق الجامعة العربية التي تحظر التدخل في شؤون الدول الأعضاء، وكانت الولايات المتحدة وراء هذا التحول حتى لا تعود “الناصرية” من جديد وتهدد مصالح الغرب بتجاوز التجزئة والتخلف، وينفسح الطريق للقضاء على رابطة العروبة وتفكيك أوطانها إلى وحدات على أسس طائفية عرقية أو دينية أو مذهبية ولنا دليل فيما حدث في العراق من إقامة دولة فيدرالية، والسعي لتفكيك ليبيا إلى ثلاث دول (برقة وطرابلس وفزان)، وتقسيم اليمن إلى ستة وحدات إدارية من شأنها أن تنتهي إلى الإنفصال.. والبقية تأتي طالما ظلت الغفلة سائدة والحرص على المال الخاص وإهمال الصالح العام.




0 تعليق على موضوع : المؤرخ المصرى د.عاصم الدسوقى يكتب :ربيع عربى بلا عروبه
الأبتساماتأخفاء الأبتسامات