كثيرون حشدوا وجيّشوا في المدة الأخيرة ضد تقرير لجنة الحريات وانخرطوا في مناكفات وتجاذبات بدت وكأنها تقسّم المجتمع الى خندقين وتعيدنا سنوات الى الوراء. لكن الأكيد أن مضامين خطاب رئيس الدولة يوم أمس قد حشرتهم في وضعية تسلل ظاهرة بلغة كرة القدم. ذلك أن التقرير كرّس مبدأ المساواة في الميراث قانونا.. لكنه ترك الباب مفتوحا لمن كانت مرجعيته دينية أن يوصي بالتصرف في تركته وفق الصيغ الشرعية، وبذلك يجد مريدو المساواة ضالتهم كما يجد معارضو الفكرة مبتغاهم.
قلنا أن التقرير وضع كل هؤلاء في التسلل، أولا لأنهم انخرطوا في معارضة ورفض أمر لم تتحدد ملامحه ومآلاته.. وثانيا لأن رئيس الدولة أحال الجدل والنقاش الذي لم يحظ به التقرير في المنابر الاعلامية وفي الفضاءات الفكرية والثقافية الى مجلس النواب.. وهناك فإن على كل الأحزاب والكتل أن تتصرف وفق مقتضيات الدستور الذي ساهمت في صياغته وصادقت عليه بالإجماع.. هذا الدستور الذي كرّس مدنية الدولة كما كرّس المساواة بين أفراد الشعب في معانيها ومفاهيمها الشاملة وهو ما سيجعل الاعتراض على مضامين التقرير خاصة في الصيغة الاختيارية التي ظهر بها بمثابة اعتراض على مبادئ مدنية الدولة والمساواة بين المواطنين المضمنة صلب الدستور... زد على ذلك ما تضمنه الدستور من مبادئ تعلن الانحياز الكامل الى القيم الإنسانية الكونية والى حرية الضمير بما سيعطي نقاشات النواب داخل المجلس عندما يعرض عليهم مشروع القانون في الدورة البرلمانية القادمة عمقا وثراء لم يحظ بهما التقرير منذ صدوره على أن تحسم المسألة وفق آليات الديمقراطية وليس وفق لغة الحشد والتجييش.
ان بلادنا التي تمر بظروف أمنية واقتصادية وسياسية صعبة وبالغة التعقيد تحتاج من الجميع وفاقا وطنيا ولو في حدوده الدنيا عساها تفلح في الخروج من عنق الزجاجة أو من قاعها. وهي تحديدا لا تحتاج الى مزيد من شق الصفوف ومن توتير الأجواء وشحن الأنفس بالمزيد من المشاعر السلبية التي لا تؤدي الا الى إحياء توترات وتخندقات جرّبناها وكدنا نكتوي بنيرانها.




0 تعليق على موضوع : «حرب الخنادق»... لن تقع ! بقلم / عبد الحميد الرياحي
الأبتساماتأخفاء الأبتسامات