بقلم : نسرين ناس
الأجواء ساخنة للغاية في تركيا، فكما أن ارتفاع نسبة الرطوبة إلى 90 في المئة يجعل الحرارة التي نشعر بها شيئًا لا يطاق على الإطلاق، غير أن الأمطار التي تهطل أحيانًا تخفف من وطأة هذه الرطوبة بعض الشيء. لكن على الجانب الآخر نجد أن وابل زيادات الأسعار، والتضخم المستمر بشكل دائم هذه الفترة لا يعطيكم فرصة لالتقاط أنفاسكم كما ينبغي. لكن الآن لم يعد بإمكاننا الحديث عن أية خطط للتنمية سواء أكانت "متوسطة أو طويلة الأجل"؛ من أجل الخروج بالبلاد من كبوتها الاقتصادية. فلقد بتنا بكل أسف نختنق في كل لحظة بأزمات يومية، بل أزمات تواجهنا في كل لحظة. فدعوكم من مجرد أخذ مواقف، واعطوا لأنفسكم فرصة طرح أسئلة للاستفسار عن الأوضاع بأدوات الاستفهام اللازمة كـ"ماذا، لماذا، وكيف حدث؟".
وحرصًا مني على متابعة الحقيقة، وكشف ملابسات الأوضاع، ضربت كومة الكتب والصحف الموضوعة أمامي على الطاولة بظهر يدي، وفتحت التلفاز وإذا بالأخبار تنهال على الشاشة وكلها أخبار عاجلة حول أحداث وتطورات الدقائق الأخيرة.
ومن بين تلك الأخبار ما مفاده أن الدولار لم يستطع كبح جماح التضخم، وأن مبادلة مخاطر الائتمان التي تعتبر أهم مؤشر لمخاطر الائتمان لدينا، قد ارتفعت إلى 345 نقطة. وأن الشركات تكبدت خسائر في الشهور الست الأخيرة تقدر بـ300 مليار دولار كخسائر عملات صعبة.
ولا يخفى عليكم أنه مع بداية تطبيق العقوبات الأميركية على تركيا، تجاوز الدولار حاجز الخمس ليرات، ولا زال يواصل صعوده بشكل سريع، وكأنه يعاند ولا يريد العودة إلى الوراء ثانية.
كما أن معدلات التضخم على أساس 12 شهرًا، وصلت في شهر يوليو الماضي، في أسعار المنتجين إلى 25 في المئة، وإلى 15.85 في المئة بالنسبة لأسعار المستهلكين. أي أن هناك فارقاً يقدر بعشر نقاط بين المعدلين، فمتى رأينا فرقًا كهذا بين الرقمين؟ لا أتذكر حقيقة. وعلاوة على ذلك فإن التضخم هذا الشهر لم تضاف عليه زيادات أسعار الكهرباء والغاز الطبيعي، ولا زيادات تغيير العملة الصعبة مقابل الليرة. وبالتالي فإنه بعد أن يضيف المنتجون هذه الزيادت على الأسعار لتوزيع تكلفة الإنتاج العالية على المستهلكين، فإنكم ستتألمون أكثر الشهر المقبل من الأسعار بشكل عام.
ومن المثير واللافت للنظر فيما أصدره البنك المركزي التركي بخصوص توقعاته لمعدلات التضخم، أنه غيرها أكثر من مرة، ففي حين أنه قبل شهر قال إنه يتوقع أن تصل تلك المعدلات إلى 8.4 في المئة، نراه رجع ثانية ورفع هذا الرقم بزيادة قدرها 5 نقاط. وهذا إن دل على شيء فيدل على أن هنا توقعات أخرى جديدة في الطريق علينا أن ننتظرها.
وفي سياق الأوضاع الاقتصادية المأساوية، نجد أن الانكماش في قطاع الإنتاج بالبلاد لا زال مستمرًا. والبنك المركزي الذي ننتظر منه أن يقرأ مسار الاقتصاد بشكل أفضل مننا توقع قبل شهر أن تحدث انتعاشة في استثمارات قطاع المعدات والآلات، لكنه تراجع بعد ذلك عما ذهب إليه من قبل، وقال إن ثمة تأخرا كبيرا في ذات القطاع بشكل يؤكد أن هناك تخبطًا في الرؤية التي يتبناها البنك حيال الأوضاع الاقتصادية التي تعنيه من الدرجة الأولى.
وبالتالي لم يعد هناك أي مغزى من قراءة تقرير البنك المركزي في ظل هذه الظروف، ولا من انتظار أي شيء من هذا البنك لتصحيح أوضاع الاقتصاد في البلاد. إذ أنه من غير المتوقع أو المأمول أن تكون لهذا البنك استقلالية في استخدام أدواته السياسية. ولما لا وهو الذي عجز عن تقديم قراءة صحيحة للأوضاع لفترة شهر مقبلة، وإن توقع لم تكن لديه الاستقلالة الكافية لإعلان الأرقام الصحيحة؛ بسبب الانتخابات الرئاسية والبرلمانية الأخيرة.
وكذلك الميزانية إذا أردنا أن نتحدث عنها لا يمكننا أن نقول إلا أنها ثوب مهترئ. فنفقات المعاشات على مدار عام، تبلغ 200 مليار ليرة. كما أن العجز لدى مؤسسة التضامن الاجتماعي كبير للغاية. إذ بلغت النفقات الشهرية لهذه المؤسسة 30 مليار ليرة. فمثل هذه الظروف تنتظرون اتباع الدولة لسياسات التقشف، أليس كذلك؟
لكن مع هذا لم نشهد أي تقشف يذكر سواء في النفقات الاعتبارية أو في غيرها من النفقات. وخير مثال على هذا الكلام، ذلك المبلغ الذي يقدر بـ46 مليار ليرة تقريبًا، والذي خُصص لتنفيذ المشاريع التي أعلن عنها الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان مؤخرًا في إطار خطة عمل تركيا لمئة يوم قادمة.
وبمناسبة هذه الخطة التي تحدثنا عنها، لا أخفي عليكم وكما تعلمون أننا كلنا كنا نركز ونترقب إعلان هذه الخطة التي كنا نتوقع أنها ستكون مخرجًا آمنًا للبلاد من الأزمات التي تعيشها. لكن يا ليتنا ما انتظرنا وترقبنا. إذ خرج الرئيس أردوغان وقال مخاطبًا الشعب التركي "أنادي على شعبي، أخرجوا العملات الصعبة من تحت الوسائد، أخرجوا ما لديكم من ذهب، وتعالوا لتحولوها إلى الليرة، وأظهروا لنا مدى مقاومتكم الوطنية وتصديكم للمؤامرات التي تحاك حيالنا". أي انه بهذا الكلام يعلن أنه ينتظر تلك المقاومة من الشعب دون غيره. وبذلك ندرك أنه لم يعد لدينا خلاص من تلك الأزمات سوى حماية أنفسنا بأنفسنا؛ لأن الدولة نفضت يدها، وتركتنا بمفردنا.
وفي الشأن ذاته، نرى أن تعميمات الرئاسة التركية تتوالى وراء بعضها البعض دون انقطاع. وآخر تلك التعميمات ذلك الذي نشر في الجريدة الرسمية بوقت سابق، والذي نقل لنا ما مفاده أن كافة الصلاحيات الخاصة باللجنة العليا للخصخصة، واللجنة العليا للتخطيط، تم منحها للرئيس أردغان في خطوة كبيرة مثيرة للجدل.
أي في ظل هذا القرار بات من سلطات الرئيس أردوغان ومهامه، خصخصة الشركات العامة، وبيعها، واتخاذ قرارات رفيعة المستوى حول العديد من الموضوعات الهامة والحساسة كالحياة الاقتصادية للبلاد في الداخل والخارج. هذا إلى جانب مسألة تحديد الإجراءات المتعلقة بتحفيز الاستثمار والتصدير، والموافقة على ميزانيات الإسكان الجماعية.
وعلى نفس الشاكلة بات من حق أردوغان استخدام صلاحيات لجنة التخطيط العليا بشان نظام البناء والتشغيل ونقل الملكية، والشراكة بين القطاعين العام والخاص في المجال الصحي.
ولا عجب أن تجتمع كل هذه الصلاحيات في يد أردوغان الذي تمت استضافته ذات مرة في مقابلة تلفزيونية على الهواء مباشرة، وشدد خلالها على ضرورة أن تدار تركيا كشركة مساهمة، على أن يكون هو المدير التنفيذي لهذه الشركة. وأكد كذلك أن الشركة (في إشارة لتركيا) بهذا الشكل ستكون أكثر إيجابية وإنتاجًا.
ومن ثم فإن التعميم الأخير الذي تحدثنا عنه أعلاه خوّل الرئيس التنفيذي للشركة صلاحيات تجاوزت كافة الصلاحيات لمن على شاكلته من رؤساء تنفيذيين، إذ لا يخضع الرجل لأية رقابة، ولا يمكن المساس به مطلقًا للحساب أو المساءلة أو ما شابه.
الرئيس تحدث عن ضرورة أن تكون تركيا شركة مساهمة، ونسي أو تناسى أن مثل هذه الشركات توجد بها جمعية عمومية مكون من مجموعة مساهمين. وأن هذه الجمعية هي التي تعين وتحدد مجلس الإدارة الذي يختار بدوره الرئيس التنفيذي للشركة. فلو كانت تركيا شركة مساهمة كما يقول، فعليه أن يعلم أنه لا بد أن تشكل لجنة كل 3 أشهر مكونة من مراقبين مستقلين لمراجعة أعمال الشركة ومجلس إدارتها، على أن تعد تلك اللجنة تقاريرها التي يتم إعلانها بكل شفافية ونزاهة. كما أن مجلس الإدارة في هذه الشركات، وكذلك الرئيس التنفيذي مسؤولون ويحاسبون على كافة القرارات والخطوات التي يتخذونها في موضوع ما.
أما عندنا فقد سار لدينا رئيس تنفيذي ان شاء باع، وإن شاء اشترى، دون رقابة أو حساب بأي حال من الأحوال!
ومن كل هذا نفهم أنه حينما يبدأ المرء في إدارة بلد ما كشركة مساهمة وأنه هو رئيسها التنفيذي الذي جمع في يده كل الصلاحيات دون رقيب، فإن من ينظرون من الخارج لن يروا سوى شخص واحد، أي لن يروا الدولة بكافة مؤسساتها. وبالتالي يكون هو مخاطبهم. وهنا يزداد احتمال أن تتسبب كل كلمة أو فعل يقوم به هذا الشخص في أزمة ما أو نوعًا من الفوضى كما نعيش في تركيا.
ولعل الأزمة الأخيرة مع الولايات المتحدة الأميركية، أزمة من هذا النوع الذي نتحدث عنه. ولأن لدى الرئيس التنفيذي لأكبر شركة مساهمة على مستوى العالم (في إشارة لأميركا) ثقة كبيرة في نفسه، وجدنا أنفسنا في حارة سد في قضية القس أندرو برانسون المسجون في تركيا منذ العام 2016.
وعلاوة على ذلك نحن هذه المرة أمام عملاق حقيقي باقتصاده الذي يتخطى حاجز العشرين تريليون دولار، وقوته العسكرية والتكنولوجية التي توجه العالم أجمع. لكن علينا ألا ننسى أن صلاحيات دونالد ترامب الرئيس التنفيذي لهذه الشركة، محدودة، كما أنه مضطر لتقديم كشف حساب للكونغرس والقضاء.
كما أننا في هذه الأزمة لا نمتلك في أيدينا "ورقة اللاجئين" التي دأبنا على إشهارها باستمرار في وجه أوروبا في خضم أزماتنا معها. لا نمتلك الآن سوى ورقة "شراكة" حلف شمال الأطلسي (ناتو). وهذه ورقة تجاوزنا فيها الحدود كثيرًا من قبل، والدولة الوحيدة التي تغاضت عن ذلك هي الولايات المتحدة التي نختلف معها حاليًا.
والسؤال الذي يطرح نفسه الآن، هل يمكن لهذه الأزمة مع أميركا أن تحل دون أن تتعمق أكثر من ذلك؟ وهل ستكون هناك عقوبات أخرى تلحق العقوبات الموجودة بالفعل؟ مثل هذه الأسئلة لا جواب لها في الوقت الراهن.
لكن من شبه المؤكد أن هذه الأزمة باتت ذريعة للركود الاقتصادي الذي أصبح حتمياً الآن وسيلة هامة لإقناع الناس بأن يصبحوا فقراء. لا سيما أن أردوغان كثيرًا ما دأب على ترديد نغمة توحي للجميع بأننا في غمار حرب اقتصادية، ومن ذلك قوله "نحن نواجه الآن حربًا اقتصادية. لكن لا تقلقوا؛ سنخرج منتصرين من هذه الحرب". وبالتالي هو حمّل فاتورة الأداء الاقتصادي السيء على القوى الخارجية منذ زمن بعيد.
وعلى نفس الشكل والشاكلة، خرج علينا رئيس أركاننا السابق، وزير دفاعنا الحالي، خلوصي آكار، مؤخرًا ليدلي بتصريحات تؤيد نفس الاتجاه الذي يسير فيه أردوغان. إذ قال الوزير إن العقوبات الأخيرة "الفضيحة" التي فرضتها الولايات المتحدة على وزيري العدل، عبد الحميد غول، والداخلية سليمان صويلو "الهدف منها إيقاف مسيرة تركيا المقدسة. لكن بلادنا تحت قيادة الرئيس رجب طيب أردوغان ستواصل مسيرتها. ولن تقوى أي جهة أيًا كانت قوتها على وقف هذه المسيرة العظيمة." وبالطبع الهدف من هذه التصريحات، ليس حل الأزمة، وإنما اختلاق حجج وأعذار يعلقون عليها الفشل في إدارة الملف الاقتصادي.
أما بالنسبة لدور المعارضة وسط كل هذه التطورات، فمهما كتبنا وتحدثنا، فلا فائدة ترجى منها. فهي في جميع مواقفها المتضاربة التي تتبناه حيال العديد من القضايا تثبت بما لا يدع مجالًا للشك أنها هي المشكلة الأكبر بالنسبة لتركيا. فأحزاب المعارضة في مرات عديدة تؤكد أن العدالة في تركيا غير مستقلة، وهذا ما سبق أن سمعناه من تلك الأحزاب في قضية أحد الصحفيين الفرنسيين، وكذلك الصحفي التركي الألماني، يوجال، حيث كانا يحاكمان في تركيا. وشدد الأحزاب حينها على أن القضاء التركي لا يعطي قراراته بمنأى عن السياسية. حتى إن كمال كليجدار أوغلو، زعيم حزب الشعب الجمهوري، خرج آنذاك في مسيرة سميت بـ"مسيرة العدالة" سيرًا على الأقدام من العاصمة أنقرة إلى مدينة إسطنبول أملًا في تحقيق العدالة. لكن أمام العقوبات الأميركية الأخيرة خرجت المعارضة علينا بشعار تؤكد فيه أن "القضاء التركي مستقل". شعار يوضح بشكل جلي الازدواجية التي تعاني منها المعارضة.




0 تعليق على موضوع : أردوغان يدير تركيا كرئيس شركة مساهمة بلا رقابة
الأبتساماتأخفاء الأبتسامات