تسلك اتجاهات العقلانية الاجتماعية والأخلاقية غالباً في التأثير والنضال باتجاهات سلمية وعقلانية وفي قضايا واهتمامات لا تلهم الجماهير التي تغلب عليها القضايا والوعود الكبرى، وتفضل الانسحاب من الإصلاح بما هو عمل يومي وصراع مملّ ومعقد يمتد من الفلسفة السياسية المنشئة الحكم والإدارة والعلاقات والثقافة إلى الاشتباك اليومي مع مسائل الحريات والموارد والإنفاق والسلوك الاجتماعي وأسلوب الحياة. ولسوء الحظ، فإن العقلانية أفكار واتجاهات يتوصل إليها الناس في مرحلة عمرية متقدمة، ولا يعودون بغالبيتهم يحتملون نفسياً وصحياً العمل الطويل والنضال والمواجهة، كما تشغلهم التزامات شخصية ومعيشية وعلاقات وحسابات معقدة، فالعمود الفقري للعمل العام والتطوعي يقوم على شباب متحمسين يملكون الوقت والجرأة وليس لديهم حسابات ومصالح.
والحال أن المهمشين والمستضعفين ظلوا يعبّرون عن شعورهم بالظلم عبر اتجاهات وحركات توقعهم في مواجهة غير متكافئة وغير مطلوبة أيضاً مع المتسلطين، وتجعلهم دائماً في صف الخارجين على القانون و/ أو المتطرفين و/ أو المعادين الدين... كيف يمكن الخروج من هذا الفخ؟ كأن السؤال كيف تجتذب قيم العقلانية والحريات والازدهار كتلة كبيرة ومؤثرة من الشباب؟ كيف يدرك الشباب مبكراً قبل أن يصلوا إلى سن الانسحاب واليأس من الحياة العامة ضرورة النضال والعمل السلمي لأجل إصلاح اجتماعي وسياسي مستمد من قيم الحريات والازدهار؟ ربما يكون الربيع العربي وإن بدا أنه انحسر جماهيرياً لا يزال يفعل ويؤثر بعمق وهدوء في الأفكار والاتجاهات إلى درجة تشجع على الاستنتاج أن المشهد السياسي والاجتماعي المقبل في المستقبل القريب سيكون مختلفاً اختلافاً جذرياً وكبيراً عن مسار السياسة والاجتماع الذي ساد منذ الحرب العالمية الأولى.
فالإصلاح يبدو اليوم بوضوح صراعاً يكون في محصلته هو التسويات والمكاسب الممكن الحصول عليها في التنافس. لكن النخب العربية المهيمنة ما زالت مصرة على إدارة مصالحها ومواقفها على أساس الهيمنة الشاملة على الفرص والموارد، وحرمان المجتمعات والطبقات من كل ما يمكن أن تتيحه التقنية والتطورات الاقتصادية والسياسية، حتى لو لم يكن في ذلك تهديد للنخب، لكنها تنظر إلى أي مكسب للمجتمعات على أنه تهديد محتمل لها، وتخاف من نهاية مروعة تدفعها على نحو حاسم إلى دخول صراع مصيري، لا مجال للتسوية فيه مع المجتمعات! لكن أسوأ ما في هذا الصراع أن تكون الأوليغاركيا مدافعة عن الدين والقيم والأمان ويكون الإصلاحيون في جانب الفوضى والعداء للدين والقيم الاجتماعية والثقافية الغالبة!
السؤال الذي يجب أن يشغل الإصلاحيين هو كيف نحمي الحقوق العامة، ولا نلحق الضرر بأنفسنا... وكيف نحافظ أيضاً على فرص الشبكية في العمل والتعبير والتعلم والتواصل الجيد؟ ثمّة خشية حقيقية أن نضيّع فوائد الشبكة وفرصها، ومؤكد بالطبع أن فئة في الدول والمجتمعات تتربص بها، وتتمنى احتكارها.
صحيح أن الشبكة خرجت عن السيطرة... ولكن، حتى يقرّ الوعل بأنه لم يضرّ الصخرة وأوهن قرنه، سوف نخسر وقتاً وموارد عزيزة... نحتاج إلى وقت، حتى نستوعب الشبكية القائمة، ونجعلها تعمل ذاتياً في اتجاه إيجابي... وأن نصبر على عجرفة النخب وتسلطها، ولكننا نجبرها أيضاً على أن تصبر على الاتجاهات الجديدة في الأجيال، وقبول نزعتها إلى الحرية والكرامة، وأن تدرك عمق التحولات الجارية في الأفكار والموارد.
هناك مسألتان في الأقل يجب أن تدركها المجتمعات والنخب، الأولى، أنه لا مناص من تغيير قواعد الصراع والتنافس، لأن اللعبة ذاتها تغيرت، وفي ذلك فإن المجتمعات في حاجة إلى النضال من أجل التنافس العادل، وأن تتنازل النخب المهيمنة عن امتيازات كثيرة غير عادلة، إن لم تكن جميعها، وأن تدخل في اللعبة، بما اكتسبته من مكاسب وفرص مقبولة في اللعبة العادلة (نسبياً) والثانية، إعادة تحديد وتعريف الموارد والفرص التي يحصل التنافس والصراع حولها. وفي ذلك يجب على المجتمعات أن تدرك اللحظة، وتسأل نفسها بعقلانية وهدوء، ما الذي تريده وما الذي لا تريده، وماذا يمكنها أن تحقق وماذا لا يمكنها؟ ويجب على النخب ألا تواصل الاحتكار والإغلاق القاسي والظالم للفرص والموارد الجديدة.
* كاتب أردني




0 تعليق على موضوع : كيف يمكن الإدراك المبكر لقيم الحرية والازدهار؟ .. بقلم : إبراهيم غرايبة
الأبتساماتأخفاء الأبتسامات