الحركة الإسلامية تستشعر مخاطر الاحتقان الاجتماعي بتونس فتسارع لإعلان الانتصار للاحتجاجات في حين أنها طرفا رئسيا في الأزمة الراهنة بالبلاد.
تونس - من منور المليتي
'النهضة تمارس سياسة الكذب'
اتهم سياسيون حركة النهضة بالمتاجرة بالشارع من خلال الانتصار للأوضاع العامة المحتقنة على حساب الحكومة وبممارسة سياسة الكذب وذلك تعليقا على فحوى بيان أصدرته الحركة وتصريحات لراشد الغنوشي في أعقاب لقائه بقائد السبسي الخميس.
وبدا البيان الذي أمضاه راشد الغنوشي بالنسبة للسياسيين العلمانيين ملغما لا يخلو من الكذب والمساومة إذ دعا الحكومة إلى مزيد الإصغاء لنبض الشارع ولمشاغل المواطنين وكأن الحركة الإسلامية ليست طرفا من الحكومة وبالتالي من الأزمة التي تشهدها البلاد.
ولم تكتف النهضة بذلك بل دعت الحكومة إلى اعتماد سياسة تواصلية ناجعة واتخاذ إجراءات صارمة في تشديد الرقابة وحماية المستهلك والترفيع في المنحة المسندة للعائلات المعوزة لتقدم نفسها على أنها أكثر تفهما لمشاغل التونسيين من الحكومة.
واثار البيان ضجة سياسية لكون النهضة طرفا في تركيبة حكومة يوسف الشاهد الائتلافية تتحمل مسؤولية الأوضاع العامة الهشة إلى جانب الأحزاب الأخرى المؤتلفة في الحكم وليس من حقها أن تجرد نفسها من المسؤولية.
ويبدو أن النهضة استشعرت مخاطر الاحتقان السياسي والاجتماعي فسارعت إلى الترويج لصورة حركة تفاضل الانتصارلاحتجاجات أهالي الجهات الداخلية بصفة خاصة على دعم الحكومة وإسنادها وانتهاج سياسة تهدف إلى تهدئة التشنج.
وقال أحمد بن سلامة المتخصص في الجماعات الإسلامية والأستاذ بالجامعة التونسية إن البيان "استبطن إتهام رئيس الحكومة بعدم إصغائه لمشاغل التونسيين وبعدم إرساء سياسات تواصلية خاصة مع الفئات الهشة والجهات المحرومة".
وقال بن سلامية لـ"ميدل ايست اونلاين" "إن رائحة المتاجرة بالاحتقان السياسي والاجتماعي تفوح بشكل واضح من نص البيان وطريقة صياغته حيث ثمن أولا جهود الرئيس الباجي قائد السبسي ليستخدمها كغطاء لمتاجرة مفضوحة".
وتزامن البيان مع لقاء أجراه الغنوشي مع الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي صرح في أعقابه بأن "الحديث دار حول الأوضاع العامة بالبلاد وما يقتضيه من تضامن وطني ودفع سياسة الحوار بما يعزز الوحدة الوطنية".
وتحدث الغنوشي لوسائل الإعلام بطريقة توحي بان النهضة غاضبة على الشاهد الذي قرر الترفيع في أسعار عديد المواد ما أثار غضب غالبية التونسيين وبأنها لا تتحمل مسؤولية الاحتقان في مسعى إلى استثماره سياسيا وشعبيا على حساب الأحزاب الأخرى.
وتعليقا على تصريحات الغنوشي وبيان نهضته قال المنجي الرحوي النائب بالبرلمان عن الجبهة الشعبية "إن النهضة تمارس سياسة الكذب" في إشارة إلى أنها هي التي نخرت مفهوم الوحدة الوطنية من خلال انتهاجات لا تخدم سوى أجندتها".
وتلقت اتجاهات الرأي العام فحوى البيان وتصريحات الغنوشي باستغراب شديد حيث تساءلت عن الخلفيات والأهداف التي تكمن وراء الانتصار للشارع على حساب مؤسسات الدولة خاصة وأنها ما انفكت تروج إلى أنها تدعم جهود الدولة المدنية.
ويعكس موقف النهضة ومراهنتها على الانتصار للاحتجاجات في نفس الوقت مفارقة خطيرة ضلعها الأول استخفافا بالحكومة ومن ورائها مؤسسات الدولة والإصلاحات القادمة عليها وضلعها الثاني تجييشا للشارع في محاولة لاستخدامها كذراع ميدانية لممارسة الضغوط على يوسف الشاهد.
كما يؤشر الموقف على نوع من المراهنة على الشعبوية السياسية والاجتماعية في ظل حالة الانطوائية التي تعيشها الحركة حتى أن المتخصصين في علم الأنثروبولوجيا لا يترددون في وصفها بـ"الطائفة" العقائدية والسياسية.
وقالت سهام الراجحي الناشطة في جمعية النساء الديمقراطيات إن الغنوشي الذي يقود حركة النهضة بعد أن تخلص ظاهريا من الجانب العقائدي لا يستنكف من انتهاج سياسة الابتزاز السياسي والاجتماعي بطريقة فجة".
وشددت لمراسل "ميدل ايست أونلاين على أن "هذه السياسة المزدوجة للنهضة تستميت في التموقع ضمن تركيبة الحكومة وتستخدمها كغطاء لأجنداتها وفي نفس الوقت تستميت في التنصل من مسؤوليتها بشأن أي أزمة سواء كانت سياسية أو اجتماعية".
ولئن كانت الاحتجاجات مشروعة من حيث المبدأ، فإن انتصار النهضة لها وهي التي أخمدت انتفاضة جهة سليانة بالرش خلال فترة حكمها ما هو إلا نوع من تحويل الشأن العام والعملية السياسية إلى سوق تتاجر بمشاغل غالبية التونسيين المحرومين.
ولم يتردد بن سلامة في اتهام النهضة وراشد الغنوسي بـ"الانتهازية المقيتة التي تدفع إلى أكثر ما يمكن من التموقع ضمن مراكز القرار في مؤسسات الدولة وفي نفس الوقت تدفع إلى تحويل أي أزمة إلى غنيمة اشد مقتا لتميع صورتها المغشوشة".
وتساءل بن سلامة "كيف يمكن التوفيق بين ما تقول النهضة بأنها متمسكة بالوحدة الوطنية وهي في نفس الوقت تحمل الحكومة مسؤولية الاحتقان وتساند الاحتجاج"، مضيفا "أن هكذا موقف مزدوج يؤشر على أن الغنوشي بات يمهد للاستحقاقات القادمة وفي مقدمتها الانتخابات البلدية المزمع إجراؤها في شهر مايو أيار 2018.
ويقود الغنوشي حركة النهضة بعد استبعاد الجانب العقائدي في مسعى إلى إقناع الطبقة السياسية العلمانية واللبرالية بأن حركته قطعت مع المرجعية العقائدية لتؤمن بالدولة المدنية وباشتراطات النشاط الحزبي المدني وبالعملية الديمقراطية.
ويرى أخصائيون في الإسلام السياسي المحتضر أنه في ظل توجس القوى السياسية والمدنية مما تستبطنه النهضة من خلفيات وتوجهات يقود الغنوشي طائفته منتهجا سياسة مزدوجة ساقها اليمنى في الحكومة وساقها اليسرى في الشارع".
ولفت عبد المجيد الأصرم أستاذ علم الاجتماع السياسي بالجامعة التونسية أن الغنوشي الذي يعرف جيدا أن طائفة النهضة السياسية ستتفكك بعد انتهاء رئاسته يسعى إلى تغذيتها بالشعبوية السياسية بعد أن فشلت في الانفتاح على قطاعات واسعة من المجتمع".
ويضيف الأصرم "أن الإسلام السياسي الذي تذرر في المنطقة لا يستنكف من توظيف الأزمات لصالح أجنداته حتى وإن أدى الأمر إلى المتاجرة بآلام ومآسي الناس".
وترى الطبقة السياسية العلمانية التونسية أن الغنوشي بدأ في التمهيد لنهضة ما بعده من خلال ترويض قيادات من الجيل الجديد على كيفية صناعة سياسة نفعية قادرة على السباحة بكل دهاء مياه أي خارطة سياسية بتضاريسها وبأزماتها.
ميدل ايست أونلاين




0 تعليق على موضوع : هل تتاجر حركة النهضة السياسية بالانتصار للشارع المحتقن
الأبتساماتأخفاء الأبتسامات